مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

05 بوحجام - المضمون الإسلامي في الشعر الجزائري

الجزء ٦ · صفحة ٧٦

تاريخنا عبقريَّا

يبدو به كلّ عام

كغرّة في مُحيَّا

عودوا إليه ففيه

ما يستفزّ الخليَّا

عودوا إليه ففيه

ما يَخلق الوطنيَّا

فيا شبيبة طه

وجنده المفديَّا

ومن بذكراه أضحى

رغم العوادي حفيَّا

محمّد ليس يرضى

بأن تعيش شقيَّا

وإن قنعتَ بدونٍ

يكون منك بريَّا

إن لم تكن مثل طه

فلست في طه شيَّا

تبني كما كان يبني

مجدًا يطول الثُّريَّا

إلى الأمام لتقصي

عن الحمى الأجنبيَّا

عار على جند طه

أن لا يكون قويَّا(1)

نسبة الشّباب إلى الرّسول - صلى الله عليه وسلم -، وإلى الضّادِ، اللّسانِ العربي، وربطهم بوطنهم، يدلّ على قصد الشّاعر إلى استثارتهم للارتباط بأصولِهم، والعمل على تصحيح كلّ ما يخدش هذه الصّلة. كما يدلّ أيضًا أنّ استلهام هذا التّاريخ يبعث الهمّة والثّقة في الفتية؛ كي تتحرّك لاسترجاع ما سلب منهم، ودفع ما يخدش أصالتهم. مضمون الأبيات الثّلاثة الأخيرة يؤكّد هذا.

إنّ الشّعراء حاولوا أن يربطوا الأجيال المتعاقبة بماضيها، وأن يحيوا المناسبات التّاريخية لاستلهام التّاريخ في بعث النّخوة في الشّباب. وأشادوا ببطولات بعض الرّجال الأفذاذ الخالدين ليزرعوا في النّفوس القيم والشّمائل التي تدفع إلى ميادين الكفاح والعمل بقوّة وثقة. وذكّروا بالمواقف ليختصروا الطّريق أمام الشّباب في الجهاد والنّضال … على العموم عمل الشّعراء على أن يوجدوا اللّحمة بين الأجيال وماضيها، وأن يرجعوا بالشّخصية إلى جذورها، وهي جذور تتعمّق في تربة الإسلام والعروبة.

إنّ الشّخصية الوطنية، التي هي انعكاس للشّخصية الإسلامية، جسّدها الشّعراء في أشعارهم، منطلقين من أبعادها الثّلاثة: الإسلام والعروبة والتّاريخ. الدّين مصدر وحدة الشّعب وعزّته. العروبة مستوحى القيم. التّاريخ ملهم المواقف الوطنية والقومية.(2) جسّد مفدي زكرياء هذا بقوله:

نَحن في هذه الجزائر إخوا

ن، جراحاتنا الثّخينة حمرا

لُحْمةُ الضّاد، والعروبة، والتّا

ريخ، والدّين: آي ربّك كبرى(3)

الشّيخ ابن باديس نفسه قال معلّقًا على ما أدلى به أحمد شوقي، من أنّ الجزائر:: لا عيب فيها، سوى أنّها قد مُسخت مسْخًا … " … وَلَعَلم أنّ الأمّة التي صبغها الإسلام، وهو صبغة الله. وأنْجبها العربُ، وهي أمّة التّاريخ. وأنبتتها الجزائر، وهي العاتية على الرّومان والوندال، لا تستطيع، ولن تستطيع أن تمسخها الأيّام ونوائب الأيّام"(4).

هذه المعالجة الواعية المسؤولة لِمَوضوع الهويّة أنتج ثمارًا طيّبة، أثلجت صدر الشّاعر مفدي زكرياء، صوّر هذا، وعبّر عنه بما مكنّه من أن يقدّم دعوة للسّير في هذا الاتّجاه، وبهذه المنهجية، لتأدية الواجب في التّنشئة السّليمة للبقاء في الصّراط السّويّ؛ بالمحافظة على الأصالة. إنّها رسالة الشّعر في التّوجيه والتّوعية والتّرشيد. قال مفدي زكرياء في إلياذته، بعد أن عرض بعض صور التّخنّثّ والميوعة والتّخلّي عن الأصالة، التي أبداها بعض الشّباب، يثني على من أفلت من هذه الحمأة والوحل، ونجا من هذا المستنقع الآسن:

وأفلتَ من قفص الاتّهام

شباب أصيلٌ، وفيّ الذّمامْ

شباب تطهَّر فيه الضّميرُ

فأعرضَ عن شبهات الطّغام

وأشربَ من نبعِ إسلامه

وفلسفة الدّين روح النّظام

ولم يتنكّر لأَمْجاده

وأجداده الخالدين العظام

ولم يكُ بالتّبعيات يغزى

ويجري وراء السّحاب الجهام

ولا بالمذاهب يُغري فتُشرى

ببخسٍ عقيدته كالسّوام

ولم تختطفه مراهقةٌ

ثقافيةٌ، ضلّ عنها الفِطام

ولم تُجْدِ فيه معاولُ هدمٍ

يصوّبُها دارس الانْهزام

(1) - الشّعر الجزائري، ص: 116.

(2) - ينظر كتابنا: الشّعر والهوية القومية، ص: 60.

(3) - اللّهب المقدّس، ص: 283.

(4) - شعر المقاومة الجزائرية، ص: 275. ينظر أيضًا مجلّة الشّهاب، الجزائر، ج4، م10، ذو الحجّة 1352هـ/ 17 من مارس 1934م.

٧٦ / ٣١٤