حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني محمد بن موسى باباعمي
الجزء ٩ · صفحة ٢وحقل الحضارة، الذي هو موضوع ومجال عملنا، فهو في رسمه البياني على صورة «دالة جيبية»، تدول من علوٍّ إلى أسفل، وترتفع من حضيض لأعلى، قال سبحانه وتعالى:ژ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ژ، ومن ثم كان سؤال الأزمة ممكن التكرُّر عبر التاريخ، كلَّما اكتملت أسباب الحاجة إليه؛ وكلَّما كان سببا لإظهار عجز النموذج المهيمن في الإجابة عنه، معرفيا ومنهجيا وعمليا.
والمتأمِّل في ظاهرة النفاق في القرآن الكريم، وفي السنَّة والسيرة النبوية الطاهرة، يتبيَّن أنَّ أخطر عنصر يتهدَّد الحقيقة، ويصرم قوَّة المسلمين، هو عنصر «النفاق»، الذي هو أساسا «انفصامٌ بين القول والعمل»؛ وإذا ما كان النفاقُ عرَضيًّا في المجتمع الإسلاميِّ كان ذلك «علامة صحيَّة»(1)، من مثل وجود «الميكروبات» التي تقوِّي مناعة الجسم، فالمنافق في ذاته هالك ضالٌّ ظالم. أمَّا الأمَّة على جرائه، فتكون مبتلاة، منتصرة، متمكِّنة، متحدِّية لهذا الخلل الذي نبت من داخلها، وهي دائما تُطوِّر قدراتٍ ومهاراتٍ للتعامل معه، ولحصاره والقضاء عليه.
أمَّا إذا عمَّ النفاق، وكان الغالب على الناس أخلاق المنافقين، فإنَّ القول يكون من نوع، والفعل يكون من نوع مناقض له، وفي هذه الحال تخفت جذوة الأمَّة، وتضعف شوكتها، وتؤول إلى الزوال، شاءت أم أبت.
(1) - ينظر: عمرو خليفة النامي: ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية؛ ط1: الدار السلفية، الكويت، مطابع دار الرأي العام التجارية.