مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

البابا يجلِد .. ليعمِّد علي وأحمد! إبراهيم سعيود

الجزء ٢٠ · صفحة ١

البابا يجلِد .. ليعمِّد علي وأحمد! إبراهيم سعيود

د: إبراهيم سعيود

قسم التاريخ ــــ جامعة الجزائر 02

brasayoud60@yahoo.fr

هـ

(1) هذه ليست خاطرة بل تاريخ وذاكرة! دونتُها للأجيال من بني جلدتي وملَّتي اعتمدتُ في سردها على وثائق أرشيفيَّة، عثرتُ عليها في دور الأرشيف الإيطالية، قرأتها فأحسستُ بدافع نفسيٍّ يلحُّ بوجوب نشرها، وشعرتُ بأنَّ النكول عن هذه الرغبة عقوقٌ لديني وحسَبي وقومي وتاريخي، ولا أريد لقلمي أن ينكمش في دواته.

أسواق النخاسة في إيطاليا، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، هرجٌ ومرجٌ وازدحام، سادةٌ وعبيد، وعبيد وسادة، أسرى من كلِّ الأعمار، ومن كلِّ الأقطار، شيوخا وكهولا، شبابا وأطفالا، أسرى من الجنسين اللطيف والخشن ذكورًا وإناثا، هم من بلاد البربرسك، ومن بلاد الشرق والترك. هيَّا فليقترب الجميع، هذه تصلح خادمة، وهذا للتجديف، وذاك مُزارع وتلك حرملك.

مأساتهم عبَّر عنها الشاعر العربي، فقال:

ولو رأيت بُكاهُم عندَ بَيعِهِمُ لَهَالَك الأمرُ واستهوتكَ أحزانُ

يا ربِّ، أمٌّ وطفلٌ حِيلَ بينَهُما كما تُفرَّقُ أرواحٌ وأبدانُ

وطفلةٌ مثل حُسْنِ الشمسِ إذْ طَلعَتْ كأنَّما هي يَاقوتٌ ومُرجَانُ

يقودُها العِلْجُ للمَكرُوهِ مُكرَهَةً والعينُ باكيةٌ والقلبُ حَيْرَانُ

أحمدُ بيد جلاَّده .. سيِّدٌ اشتراه ولبيت التعميد أهداه.

أحمدُ طفلٌ صغير، عبدٌ أسير، بضاعةٌ من الرقيق، قلبُه مُرهَفٌ بالحس رقيق يشبه قلب العاشق، أمَّا عقله فكبير، كبر وطنه وأمَّته، زار أسواق النخاسة الإيطالية كلَّها تقريبا باعه جلاد في «باليرمو»، وابتاعه سيِّد في «مسين»، وفي «روما» بيع المسكينُ، لينتهي به المطاف في بيت المعمّدين.

(1) (*) - إهداء إلى أسرى القضيَّة الأم، في أرض الإسراء والمعراج .. قُدسِها والخليلِ وبيتِ لحم.

٣٨٢ / ٤٤٩