مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي

الجزء ٣ · صفحة ١٣

بهذا يتَّضح أنَّ تعريف ابن الأثير يتحتَّم توجيهُه إلى هذا المعنى الأخير عندما يقارب الأمر آيات الذكر الحكيم وهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أي نشاط استدراجي يترسَّم معالم هذين الرافدين في خطابه، فلا يُراد بتعريف ابن الأثير المخادعات بمعناها الأوَّل إلاَّ عند معالجة بعض الأساليب المراوغة في كلام محترفي السياسة المغشوشة كما رأينا، أمَّا إطلاق مصطلح الاستدراج على أسلوب المخادعات القولية هكذا على عمومه ليشمل جميع الأقوال فلا يمكن التسليم به، ولا يسوغ تبنِّيه، لأننا نربأ بكلام الله تعالى وهدي رسوله الكريم عن أن يوسما بمغالطات الأحاديث و «مخادعات الأفعال»، وغير ذلك مما يوحي به هذا التعبير من دلالات التمويه، وما يلقيه من ظلال الغشِّ والحيلة ذات المقاصد الفاسدة والنوايا غير النزيهة، ومن هنا ينبغي تمييز حيادية هذا المصطلح الذي لا يحمل أيَّة دلالة من الدلالات التي يخفيها من يسيء مفهوم الاستدراج فيزيغ به إلى جوانبه الدنيا من معنى المخادعات، تماما كما هو الأمر مع جملة من المصطلحات التي تصلح بصلاح المقاصد وتفسد بفسادها(1).

(1) ـ هذا هو في الواقع شأن جملة من المصطلحات القرآنية التي لا تقرأ إلا في سياقاتها التي تجعلها تتَّسق مع دلالاتها المقصودة، كالمكر: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ القرآن الكريم، ص:45، والخداع: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، القرآن الكريم، النساء: 142، والكيد: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، القرآن الكريم، الطارق:15ـ16، والنسيان: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾، القرآن الكريم، الأعراف: 50، والسيئة: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، القرآن الكريم، الشورى: 40، والعقاب: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ القرآن الكريم، النحل: 136، والنفس: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، القرآن الكريم، المائدة: 116.

٢٤ / ٤٤٩