سبعُ سنبلاتٍ خُضْرٍ .. " أو فتنة غرداية مقاربةٌ من سورة يوسف - عليه السلام - محمد بن صالح ناصر
الجزء ١٢ · صفحة ١٣مدار قصة يوسف - عليه السلام - من أوَّلها إلى آخرها هي هذه الحقيقة الربَّانية، إِنَّهُ مَنْ ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]، بهذا أجاب يوسف إخوته عندما عرفهم وهم له منكرون، وعندما جاؤوه يطلبون الصدقة منه وهو في عزِّ الملك والسلطة، وهم في ذُلِّ الشقاء والمسغبة، وهي خلاصة أكَّدها القرآن بإعجازه البياني في كلمتين اثنتين هما: «التقوى والصبر»، ليطوي بذلك كلَّ المراحل التي مرَّ بها يوسف في محنته: في الجبِّ وحيدًا مظلوما، وفي السوق بين أيدي المشترين عبدًا مَهينًا، وفي بيت العزيز غريبًا حزينًا، وأمام شهوة زُليخاء العارمة تقيًّا أمينا، وعلى سُدَّة الحكم حفيظًا عليمًا، وعند اجتماع شمله بأبويه وإخوته ملِكًا مكينًا، وأخًا شفُوقا حليمًا، إنَّه المثل الأعلى من المجتَبين المخلصين الذين اختارهم الله لعباده المؤمنين الصابرين المحتسبين من خلال هذه السورة العظيمة الفريدة في أسلوبها وطريقتها وموضوعها.
وكان كذلك موقف أبيه النبي يعقوب - عليه السلام - في محنته واختباره صابرًا محتسبا أجره عند الله، يقابل الشدَّة بالصبر الجميل والفتنة باليقين الثابت، و لم ييأس قط من رحمة الله ولم يشك في فرجه مع شدة بلواه، ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].
ومن مظاهر التقوى والصبر أن لا يشتكيَ العبدُ وهو في بلواه إلاَّ لربه وحدَه، ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 86].
*- المُقاربة: