مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي

الجزء ٣ · صفحة ١٥

هذه الدعوات المرتكزة على حقائق الفطرة وبداهات العقل ينحو بها أصحابها منحى مقاربات بيانيَّة، تسعى في إخلاص جاهد وحرص أمين إلى إسلاس مقاد المخاطَب الخصيم وتذليل جموحه في ملاطفة حكيمة ليِّنة، يُستدرَج بها ليعود بذهنه ويلتفت بعقله في هدوء مركز إلى الأمر الذي يُدعى إليه، فيراه ولو لفترة وجيزة على حقيقته مُسلَّمة واضحة وحقاً أبلجَ، وأمر المسلمة الواضحة والحق الأبلج ما لم يُحتل له بمثل هذه الأساليب قد لا تتأتَّى للآخر المحاصَر في أغلب أحواله رؤيته كما هو في حقيقته، لما يكون قد انسدل دونه من أستار تخفيه، وتراكم حواليه من غبش رؤيوي يحجبه، ولما شبَّ عليه المستقصد بذلك الخطاب من أحكام مسبَّقة مهمتها استبعاد كلّ ما يخالف معتقداته الموروثة، ويغاير أنماط حياته المعهودة الرتيبة، فتعمل هذه الأحكام على تحصينه بمناعات اجتماعية وعُرفية تقف في وجه الرأي الآخر الذي لا يريد المستقصد بالخطاب سماعه ولا يُراد له ذلك حتى لا يتأثّر به(1)، وهذه الأساليب القرآنية التي تُتَّبع في استدراج الناس إلى الحقِّ يقدِّمها القرآن الكريم في إطار منهجي عامٍّ، يتدرَّج ويتنوَّع وفق ما تمليه المناسبات وتقتضيه المقامات، وحتى تتَّضح مظاهر هذه المنهجية الأصيلة وتستبين ملامح هذا الأسلوب المتأدِّب الراقي رأيتُ أن تتمَّ مناقشته تحت عناوين تبيينية.

أولا: أسلوب المحايدة القولية


(1) - لقد سجل القرآن الكريم اعتراف المشركين أنفسهم بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾، القرآن الكريم، فصلت: 4.

٢٦ / ٤٤٩