مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي

الجزء ٣ · صفحة ١٦

لا تتجلَّى حيادية الأسلوب الاستدراجي(1) كما تتجلى في حوارات سيدنا نوح عليه السلام وخطابه لقومه(2)،

(1) - إذا كان هناك ما يمكن وسمه حقًّا «بالحياد الإيجابي» بعيدا عن أية مضاربة سياسية ومتحررًا من كلِّ تهريج فكري فإنه هذا الأسلوب الرباني من محاورات الرسل والأنبياء الذي لا يستبطن في ثناياه نفعًا يجرُّه لهذا المعسكر أو ذاك، ولا يميل به الهوى البشري لشرق الأرض أو غربها، وإنما هو أحمال الإنسانية وأثقالها، كيف تنجو من عذاب الله وسخطه وكيف تلقى رحمته وتنال رضاه.

(2) - إن ما قد يبدو في ظاهره من قسوة في دعاء نوح عليه السلام يجب أن يوضع في سياقه العام، إذ لم يكن دعاؤه على قومه لأنهم كانوا كافرين وحسب، وإنما لأنهم تفانوا في محاربة الدعوة والكيد لها والوقوف في وجهها، وقد صابرهم ألف سنة إلا خمسين، ما جعله عليه السلام يحمل همّ الدعوة لا في لحظته الراهنة وحسب، وإنما يفكر في أمر استمرارها من بعده، فقد ملكت الرسالة عليه قلبه ونفسه وكل مشاعره، فأطلق ذلك الدعاء القاسي خشية على الدعوة ومستقبلها لا تشفيًّا من قومه، بدليل قوله: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾، القرآن الكريم، نوح: 29 ..

٢٧ / ٤٤٩