مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي

الجزء ٣ · صفحة ٢١

هذا موقف استدراجيٌّ رصين، لا يكاد يمسُّ في أي من جوانبه الحوارية معبودات القوم المستقصَدة أصلاً بالنكير، فضلا عن أن ينال من ذواتهم الشخصيَّة أو أن يستفزَّ شيئًا من كبريائهم المتضخِّمة، فانظر إلى هذا الطرح الذي يقدم قضيَّة الإيمان الكبرى ـ أخطر قضايا الإنسان ـ في آيتين محكمتين تتسمان بالوضوح والرقة والإيجاز: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، ومع هذا الوضوح والإيجاز والبيان يحرص نوح - عليه السلام - في أسلوب قرآني بديع على تأكيد أنَّ ما يقدمه لهم لا يراد منه في واقع لأمر إلاَّ مصلحتهم وفائدتهم، فقد استعمل لام الملكية «لكم» التي يتطلَّبها سياق الحكمة، وقدمها على النذارة التي تهدف إلى نجاتهم وفوزهم الحقيقي لالتفات النفس بطبيعة غفلتها إلى المغنم القريب قبل المغرم البعيد، ثم لا يقف به المقام عند هذا الضغط التوكيدي على مصلحتهم، وإنما يمضي معهم في هذا المسلك من تهدئة عواطفهم وتليين قلوبهم فيذيّل ذلك بتذكيرهم بأنَّ ما يملأ قلبه ويمتلك عليه مشاعره إنَّما هو حرصه الصادق على مصائرهم الأخروية: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، والخوف على الآخر لا يكون إلاَّ من قلب تملأه الرحمة والشفقة، ومع ذلك نجد قومه ـ لتمكُّن الأعراف والعادات من نفوسهم ـ يقابلونه بردٍّ متجهِّم مراوغ يتَّخذ من الأسلوب الاستفزازيِّ منهجًا ومركبا، يتدرَّج من جواب أقلّ ما يوصف به أنه ردّ «باردٌ» يتمثَّل في رفضهم إياه لأسباب واهية وحجج مفتعلة: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾، إلى معاذير تهريجيَّة، تعمد إلى تجاهل أساس القضية وتخرج بالحوار من بؤره وأصوله إلى هوامشه وفضوله: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾، ثم تستبدُّ بهم عزَّة الإثم، ولحظة الكبرياء: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾، ويسعون كالموتورين في إصرار مستميت إلى

٣٢ / ٤٤٩