أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي
الجزء ٣ · صفحة ٢٢إنهاء الحوار، وقطع أيِّ نوع من العلائق التواصلية التي كان سيدنا نوح - عليه السلام - يمدّ أسبابها بأسلوبه الحكيم، فيعمدون إلى اتهامه سفاهة بالكذب، ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾، قاصدين بذلك دون شكٍّ استثارة غضبه واستفزاز مشاعره، وباحثين عن معاذير هم أعرف الناس بزيفها ووهنها.
لكن ما كان من سيدنا نوح - عليه السلام - ـ وهنا يأتي دور الاستدراج وأهمِّية توظيفه ـ إلاَّ أن يتحلَّى بالصبر الجميل والحكمة البالغة، ويعاود محاولة رفع الغشاوة عن عيونهم، والتقليل من هياجهم ونفورهم، فيتوجَّه إليهم بهذا النداء الشفوق الرحيم: ﴿يَاقَوْمِ﴾، وأداة النداء هذه على وجه التحديد تُستعمل للمنادى البعيد، فقد فطن سيدنا نوح - عليه السلام - إلى أنَّ قومه قد تاهوا في مجاهل الغفلة، فمدَّ صوته بهذه الياء، علَّها تقرع أسماعهم، فَتَمْكُنَ منهم التفاتة من غفلتهم السادرة وضلالهم البعيد، ثم يتدرَّج في أسلوبه الحكيم، فينسب نفسه إليهم، ويؤكد انتسابه إليهم، قوم (ي)(1)، فهو يعاود محاولة ردم ما كانوا يحاولون حفره من إحن مصطنعة، ويؤكد لهم أنه وإياهم من طينة بشرية واحدة، فاستمسك بهذا النداء يكرِّره دونما ملل في كلِّ نفس جديد يتوجَّه به إليهم، ثم يردُّ عليهم رداً لطيفا حكيما، يعود فيه بالحوار إلى جوهره، قائلا لهم بطريق الإشارة والإلماح إنَّ عقولكم كان ينبغي أن تقودكم إلى التفكُّر فيما لو كنت على بينة من ربي، فهل يُلام من اتَّبع بينة استبانت له! ويلاحظ أنه لم يقل في هذا السياق «ربي وربكم»، لأنه إنما كان يسعى إلى توجيه عقولهم إلى أصل القضية، فلم يكن من الحكمة في شيء أن ينسب إليهم في هذا المقطع من سياق الحوار ما لم يعترفوا به بعدُ، فيغدو مظنَّة لإثارة حفائظهم التي يعمل على تهدئتها ليتمكنوا من رؤية ما ينبغي رؤيته.
(1) ـ ياء المتكلم المضاف إليها محذوفة.