نماذج من أسفار الشيخ عدُّون ورحلاته عمر بن حمو لقمان سليمان بوعصبانة
الجزء ١٧ · صفحة ٣وقد يغبطه البعض حينما يعقد رحلة إلى طبيعة البادية ليوم أو يومين مع أبنائه أساتذة معهد الحياة، لكنَّه لا يعلم كم يعاني هؤلاء من إرهاق لحلِّ المسائل العويصة التي تتطلَّب تركيزًا لحلها، وجلساتٍ متتابعة طويلة لا تنتهي إلاَّ بوجود حلولٍ مُرضية لها، ولا يتأتَّى ذلك إلاَّ بالانقطاع لها وإعداد كلّ جهده وطاقته لذلك؛ فحينما يرتحل مع أبنائه الأساتذة يأكل معهم، ويشرب معهم، ويبيت في خيمة بالبادية معهم أو بدارة من دارات أطراف واحة المدينة، ولكنَّه يلزمهم خلال تلك الأيام، ويلتزم معهم لسماع انشغالات المعهد دون ملل بالجلوس أكثر منهم، فقد وهب الله له طاقة الجلوس لساعات متتالية ما يجعل بعض الحاضرين يستأذن لاستنشاق الهواء مرَّة بعد مرَّة، أو لطلب راحة البدن، وهم أقوى منه بدنا، وأسلم منه حواسَّ، ولكن أقل منه احتمالاً وصبرًا، قد يُصلِّي أحدهم لعذرٍ شرعي جالسًا ولكنه ـ وقد تجاوز المائة ـ لا يصلِّي الفرض إلاَّ واقفا!
وقد تكون الرحلةُ إلى خارج الوطن كالحجِّ والعمرة إلى البقاع المقدسة أو لغرض الاطلاع على أماكن ذات حضارة عريقة، أو لعلاج مرض ألمَّ به، أو لزيارة الأحباب والأصحاب، أو لأداء واجب التعزية في حقِّ عالم جليل تربطه به أواصر المحبَّة في الله.
أولا: حالات الأسفار ووسائلها في عهده:
لم تكن الأسفار متاحة لجميع الناس، ولا بالسهولة التي نراها الآن، لاسيما من مدينة القرارة إلى بقية المدن؛ وذلك لأنَّها كانت معزولة في الصحراء عن المدن المجاورة التي تربطها بالشمال.