نماذج من أسفار الشيخ عدُّون ورحلاته عمر بن حمو لقمان سليمان بوعصبانة
الجزء ١٧ · صفحة ٤لم يُعبَّد الطريق إلى أقرب مدينة لها أي «بريان» إلاَّ مع نهاية عهد الاستعمار. والسيارات التي تقلُّ الناس إلى «تُقُّرت» شرقا أو إلى «غرداية» غربا كانت قليلة جدًّا، وحينما تسافر الشاحنة محمَّلة بالبضائع وفوقها المسافرون قد تصادف في طريقها العروق الرملية، وقد تغوص كلُّ عجلاتها في الرمال، وينزل من يستطيع إزاحتها من تحتها ودفعها إلى الأمام بعد وضع الصفائح الحديدية تحت عجلاتها، ويتعطَّل الناس عادة لساعات تحت الشمس المحرقة والرياح العاتية، ولا ينفعهم إلاَّ زادُهم أو معارفهم من عرب الصحراء الكرماء إن صادف ذلك العطب قرب خيامهم.
ثانيا: أمثلة من معاناة الأسفار في عهد الشيخ عدُّون:
يمكننا أن نسوق مثالا لمعاناة الأسفار في الزمن الذي عاشه الشيخ عدُّون، وقد كتبه بقلمه ليكون المصدر موثوقا منه. يقول الشيخ عدُّون (- رحمه الله -) في رسالة إلى الشيخ أبي اليقظان إبراهيم (- رحمه الله -) مؤرخة بـ26 أوت 1939: «تعطلت سيارة خبزي عيسى بن أعماره إلى أن أدركته سيارة الشركة … ». ويعني هذا أنَّ هناك مدَّة زمنية لإسعافه قد تطول وقد تقصر، ثم يواصل فيقول: «كان هناك معارفُه من العرب، مشى إليهم فوجد فيهم سعة ورحبًا، فأقام فيهم أحسن مقام». ويقول بعد ذلك: «تأخَّر السفر لعدم وجود سيارة تَمُرُّ ببريان». علمًا بأن الهاتف منعدم في البوادي، ولا وجود له إلاَّ في المدن، وبعدد محدود. إذا كان هذا في الثلاثينيات فكيف يكون قبل هذا؟
هذا نموذج من حالات السفر البرِّي. وإذا أردنا أن نأخذ نموذجا من الأسفار البحرية علينا أن نبحث أيضا فيما كتبه الشيخ عدون بنفسه في الصحافة اليقظانية.
لقد كتب الشيخ عدُّون مقالا رائعا في هذا الجانب، إذ استشاط غضبًا مما قام به السماسرة الجزائريون، إلى جانب إهانة المستدمر للحُجَّاج الميامين الذين أرادوا السفر مع باخرة تقلُّهم إلى البقاع المقدسة من الجزائر إلى جدَّة.