مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

نماذج من أسفار الشيخ عدُّون ورحلاته عمر بن حمو لقمان سليمان بوعصبانة

الجزء ١٧ · صفحة ٨

وخوفا من السرقة (كما حدث عند قدومنا) أنزلنا كلَّ شيء حتى الزاد والأمتعة وتركنا السيارتين في محطَّة البنزين المحروسة ليلاً ونهارًا. في منتصف الليل سمعنا دويا قويًّا خلناه انفجار قارورة غاز، وفي الصباح علمنا أنَّ كل من خرج من قفصة في اتجاه وادي سوف في تلك الليلة تعرض للقصف والموت، كما شاع أنَّ المتسببين جزائريُّون، ويحملون أوصافنا، لهم «قشابيات» وملتحون. فكان القتل والدمار للأبرياء العُزَّل، والذبح في الشوارع، والزج بالناس في أقسام المدارس، وإلقاء القنابل عليهم من نوافذها.

بقينا في النزل ننتظر الموت المحتوم، والرصاص يدوِّي من فوق النزل، خمسة أيام قضيناها بلا زاد إلاَّ الزاد الذي أُلزمنا بأخذه من الإخوة الكرماء.

كان الشيخ عدُّون أكثرنا ثباتا، والمتصدِّر لختمات القرآن، وللدعاء. وكان الشيخ عدُّون أكثرنا بذلا حينما اضطررنا لشراء إطار العجلة من جديد.

هكذا السفر دروسٌ ومحكٌّ لمعرفة الرجال ومواقفهم. ولعلَّ الاستجابة للأمور الجليلة ـ مثل الأسفار ـ أعظم محكٍّ لمعرفة إخلاص الرجال ومدى صبرهم.

ضرب الشيخ عدُّون أروع الأمثلة في الصبر والكرم والتواضع، كما ضربت الجماعة أروع الأمثلة في طاعة الشيخ، فلا أحد ينفرد برأيه، والكلُّ يخاطبه بأرق العبارات، ويقدم له كلَّ الخدمات. لقد كانت الرحلة كلُّها ـ بحلوها ومُرِّها ـ تحفُّ بها الكرامات الإلهية، ومِنَنٌ من الله عزَّ وجلَّ، نرجو ذخرها وثوابها عند الله يوم القيامة.

ب- النموذج الثاني: رحلته إلى الغرب الجزائري:

من خلال المقال الذي كتبه الشيخ عدُّون سنة 1351هـ الموافق لـ 1932م(1) يصف فيها رحلته إلى الغرب الجزائري مرافقا للشيخ بيُّوض رحمهما الله، تعدُّ هذه الرحلة نموذجا لرحلة داخلية استطلاعية دعوية من رحلات الشيخ الكثيرة.

(1) - جريدة النور اليقظانية.

٣٣٧ / ٤٤٩