مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

قراءة في ديوان «مُدُّوا الأيادي نتصالح» للشاعر الأمين أحمد مصطفى بن محمد ابن ادريسو

الجزء ١٩ · صفحة ٢

شرع بعد ذلك ينظم قصائد يغلب عليها التحدُّث عن نفسه، ووصف أحواله، مسايرة لرأي من يرى أنَّ المرء إنما «يُشعِّر» بنفسه قبل أن يشعُر بغيره، ويتغنى بعواطفه قبل أن يتغنى بعواطف سواه، وهذا يظهر في العناوين التالية: «قُلْتُ ذَاتَ مَرَّةٍ أَشْكُو ضِرْسًا تُؤْلِمُنِي … »، و «مُخَيَّمُ بَنْ يَزْقَنْ»، و «ذِكْرَيَاتٌ طُفُولِيَّةٌ».

وضرب بعد ذلك على أوتار القلوب فكتب أشعارًا وطنيَّة(1) يتغنى بها عن الجزائر، وجمال سحر طبيعتها، وشعبها المغامر، افتتانا ببلاده، وتقليدا للمعجب به مفدي زكرياء.

ثم راح يكتب بصراحة مستمدَّة من طبعه الصحراوي عن الأحوال المزرية التي مرَّت بها البلاد؛ من انتشار الإجرام، وتفشي القتل بغير عنوان، وأخذ يبيِّن ضلال معتقد الإرهاب، وفساد منهجهم، مثلما نجده في «فَصْلُ الخِطَابِ»، وفي قصيدة «ذِكْرَى وَعِبْرَةٌ».

وتألم كثيرا لضحايا الغدر، وشهداء البراءة، ممن فتك بهم الأوغاد دون جرم ولا بيان، مثل ابن أخيه «عبد الباسط»، كما رثى أصدقاءه الشهداء الذين قاسموه كوابيس الرعب عند أدائهم الخدمة الوطنية، وخاطبهم قائلا(2):

نَمْ يَا شَهِيدُ وَذُقْ هَنَاءً إِنَّنَا … نَرْعَى ذِمَامَكَ بِالوَفَا وَنُثَابِرُ

وَلَسَوْفَ نَثْأَرُ كُلُّنَا لَكَ عنْوَةً … حَتَّى يَذِلَّ المُجْرِمُ المُتَآمِرُ

وَنُعِيدَ لِلْوَطَنِ الْحَبِيبِ بَهَاءَهُ … وَيَسُودَ عَدْلاً شَعْبُنَا المُتَآزِرُ

ثم تابع قضايا شعبه، والسياسات المنتهجة في تسيير وطنه، فأشاد بضرورة الصلح، وإطفاء الفتن، ودعا إلى التخلق بالوحدة والوئام في صفاء ويقين، فكتب منشدا(3):

مُدُّوا الأَيْدِي نَتَصَافَحْ

مُدُّوا الأَيْدِي نَتَصَالَحْ

(1) - تشكل مضامين الشعر المتعلقة بالوطنية (ثورة، وبلدا، وسياسة، وشخصيات) حوالي نصف إنتاجه الشعري، بينما يتوزَّع النصف المتبقى على الأغراض الأخرى.

(2) - المصدر السابق: 84.

(3) - المصدر السابق: 95.

٣٦٨ / ٤٤٩