البابا يجلِد .. ليعمِّد علي وأحمد! إبراهيم سعيود
الجزء ٢٠ · صفحة ٢في «كازا» المعمّدين، ذات يوم من 11 يونيو، دخل الصغير هذا البيت الرهيب والذي تأسَّس ـ كما ورد في المصادر التاريخية الإيطالية ـ في الثامن من شهر نوفمبر من عام 1543م بغرض تنصير كلِّ من يقع أسيرًا من أحفاد سيِّدنا إبراهيم عليه السلام، سواء من أبناء إسحاق، أو من أبناء إسماعيل.
ونشرت البراءة البابوية لحضرة الكرسي البابوي «خليفة المسيح» بتاريخ 12 يناير1549، أفتى فيها صاحب المقام والاعتزاز «البابا باولو فرناز»، بجواز شراء الأسرى من أسواق النخاسة البابوية وغير البابوية، من «نابولي» جنوبا حتى «توسكانيا» شمالا مرورًا بـ «شيفيتافيكيا» ميناء البحرية البابوية، وبمقتضى براءة «البابا فارناز» صار الأسير عبدًا لا يُفتدى، بل يظلُّ من الرقيق حتى وإن دخل صندوق الاعترافات ولبس الصليب، وأدَّى الصلوات، سيظل عبدًا بمقتضى براءة صاحب البراءات من عهد «فارناز» ومن جاء من بعده إلى بلاط البابوات.
«أحمد» في عمر الأزهار التي تفتَّحت في شهر آذار، أمَّا البابا الذي حضر حفل التعميد، فشيخ في أرذل العمر، أنهكه القدر، له قلب نُحت من سواد المرمر، الذي نَحت به «رفائيلو» تمثال النبي موسى، المقام في بهو الصلاة في الكنيسة، الكنيسة المطلَّة على حدائق الفاتيكان، وساحة المطران، أين يتجمَّع المريدون للحج الأكبر ليطل عليهم صاحب الصليب الذهبي من الشرفة العالية، التي أطلَّ منها ربَّما أسيرُنا «حسن الوزَّان» المدعو «ليو الإفريقي» ذات يوم من أيام القرن الخامس عشر.
انتقل أحمد المسكين إلى بيت المعمّدين، مكبَّلاً بالسلاسل في اليدين وبالحديد في الرجلين، يسحبه الجلاَّد البشع، الذي يشبه الضبع، نحو مصير مرير، مرَّ أحمد بممرٍّ ضيِّقٍ بمحاذاة كنيسة «سان جيوفاني لاتيرانو»، ومنه ولج صاحب الجسد النحيف إلى البيت المخيف المضاء بفوانيس القرون الوسطى.