مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

البابا يجلِد .. ليعمِّد علي وأحمد! إبراهيم سعيود

الجزء ٢٠ · صفحة ٣

تقدم أحمد مثقل الخطى، وزادته سلاسل الأسر ثقلاً، وصور المآسي التي واجهها أمام مُرهِبه قد شلَّت قواه، وما رآه من فظاعة القسوة جعله والموت وجهان لآلام واحدة، هذه الآلام أوهنته وأدنَتهُ من الموت الحقيقي، ولا شكَّ أنه ردَّد ما سيقوله شاعر متألم ذات يوم:

وهدرتُ بالألم الكَمِينِ بخاطرِي المتوَجِّعِ

متأجِّجَ الأحقادِ … مجروحَا لإبقاء الأروعِ

رغمَ السلاسلِ في يدِي، والسوط يُلهِبُ أضلُعي

وصرامة الرًّكل الممِيتِ تَدُوسُ أرهَفَ موضِعِ

وقف أحمد أمام قس هو أمين وكاتب بيت التعميد، قس نبتت على رأسه الزنابق التي قال عنها شكسبير: «إنَّ الزنابق المتعفِّنة أنتن رائحة من الأدغال الضارّة».

بدأ القسُّ في استجواب أحمد، ليسجّْل معلومات عن هذا البريء الذي قاده القدر إلى هذا البيت الذي شيَّده الرومان من حديد وحجر.

السؤال الأول، وتليه بعد ذلك بقية الأسئلة:

- ما اسمك؟

- ردّ الطفل: اسمي أحمد

- ماذا؟ آمت ( Amet)؟

- لا يا سيدي، بل أحمد

- ابن من ومن؟

- اسم أبي عبد الرحمان، واسم أمي فاطمة

لم يستوعب القس الحروف جيِّدا، فسجلها مثلما سمعها، ونطق العين «آ»، والحاء «هاء».

- كم عمرك؟

- ثلاثة عشرة سنة

التفت القسُّ نحو يساره، وهمس في سمع قسِّيسةٍ عجوز، أكل عليها الدهر وشرب ظهر على وجهها التعب والغضب، أمَّحَت أثار الأنوثة من على ساقيها وارتسمت ذنوبها وآثامها حتى تدلَّت كعناقيد للخطيئة والظلم، كلّ ذلك من كثرة الذنوب وثقلها، التي لم تمحها الاعترافات الكنَسيَّة، وقال لها:

- أنه صغير، فرد أحمد

- لا بل كبير!

- من أي البلاد أنت؟

- آه آه، أنا من مدينة عبد القادر الجزائري الذي سيقول عنها:

مَزْغَنَّة سُلْطَانَة المْدُوْنْ بَالجمْلَة

لَجْنَاسْ تْخَافْها فَالْبَرْ وْبَحْرِينْ

من جِهَة البحْر قَاعْ النَّاسْ تْخَافْهَا

بُرْجْ الفْنَارْ منُّو كِي مَذْعُورِينْ

يَا سَامعِين هَذْ القَّصَّة خَلِّيوْ ذَا الأمر يَصْرَفْ

٣٨٤ / ٤٤٩