أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي
الجزء ٣ · صفحة ٢٨قد ينحو الاستدراج منحىً إبهاميًّا، يعمد فيه مُنشئ الخطاب إلى التسوية الظاهرية بينه وبين مخاطَبه المعاند الجحود، فكثيرًا ما يضع الداعية الرأيين المتضادَّين في سياق واحدٍ ويعيد فيه الأمر إلى حَكَم عدل، ويتَّبع في عرضه أسلوبًا فيه من الإبهام ما يُلقي بظلاله على الرأيين كليهما معًا، رأي الداعية الذي يدعو إليه ـ وهو أمر بيِّن الصدق في واقع التحقيق ـ ورأي خصمه الذي يراد دفعه ـ وهو أمر بيِّن البطلان في فكر الداعية ـ غير أنَّه لا ضيرَ على صاحب الحقِّ من أن يُسوِّيَ ـ على طريقة الاستدراج ـ بين الرأيين، فيبهم وكأنَّه في لحظة من اللحظات ما يزال شاكًّا يبحث عن الأصلح منهما ليستدرج خصمه ليسلس له شيئًا من مقادة عقله، فيُلقِيَ هذا الثاني بظلال شكِّه المسبق على ما يقوله الداعية على رأيه هو أيضًا، من باب العدوى الداخليَّة للتماثل النفسي اللاشعوري، وهنا تحصُلُ الخطوة الأولى في رحلة المقاربة الدعويَّة، وهي التفات المدعوِّ إلى قول الداعية، بحثًا عن الحقيقة وانتصارًا للرأي في حدِّ ذاته، وليس انتصاراً لصاحب هذا الرأي أو ذاك، وهو أمر نفسيٌّ مهمٌّ في هذه المرحلة المبكِّرة من عملية التبليغ، وما أوتي الحق في كثير من ساحاته وشعابه إلاَّ من انتصار أصحاب الحق ـ دونما شعور منهم ـ لأنفسهم وذواتهم لا للحقِّ الذي يحملون وعنه ينافحون.