مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي

الجزء ٣ · صفحة ٢٧

ومما يجاري هذا المسلك الحكيم في التزام الموضوعية وعدم استثارة الخصم قول سيدنا موسى - عليه السلام - رداً على تكذيب قومه في سورة القصص: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾(1)، نلاحظ أن سيدنا موسى - عليه السلام - ـ كما هو الشأن مع المرسلين جميعا ـ يحاول أن يحارب الفكرة الخاطئة ما أمكن الأمر ذلك، بعيدًا عن أشخاص معتنقيها، وكلَّما انفصلت الفكرة عن الأشخاص وذواتهم أمكن لأصحابها النظر إليها بكثير من الهدوء والموضوعية، ففي قول موسى عليه السلام ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ استدراج نفسي ومدخلٌ لطيف إلى عقل الخصم يُسمعه ـ على غير ما كان يتوقع ـ خطابا دعويا مسالما، فهو يتَّسم بالإنصاف ظاهرًا وواقعا، ويتَّشح بالحكمة التي تضع الخصم أمام أمر لا يمكن اللجاجة فيه كثيرًا، لأنَّ إرجاء الحكم وإعادته إلى إله لا ينكر الخصم ـ إذا ثبتت ألوهيته ـ عدله المطلق أمرٌ ليس فيه ما من شأنه أن يستفزَّ نفوس الخصم أو يستثير حفائظها، وبخاصَّة إذا لاحظنا أن موسى - عليه السلام - لم ينسب إليهم ما لم يعترفوا به، كما أنه قال: ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾، ولا يمكن الاختلاف على أن مَن جِيء بالهدى ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾ هو أعلم به من غيره.

ثانيًا: أسلوب الإبهام والتسوية


(1) ـ القرآن الكريم، القصص: 36 ـ 37.

٣٨ / ٤٤٩