أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي
الجزء ٣ · صفحة ٣٠إنَّه لمن نوافل القول البلاغيِّ أن نقرأ في مثل هذا النظم الحواري المعجِز جملةً من المحسِّنات البديعية كتجاهل العارف(1) واللفِّ والنشر(2) والكلام المنصف وغير ذلك من نكت البيان وفذلكات البديع، إلاَّ أنَّ الذي يدعو إلى وقفة متأنية وتأصيل آكد، وبخاصة في عصرنا المزدحم بمختلف الشبهات «الثقافية» هو تلكُمُ الروحُ التي تسري في ثنايا هذا الأسلوب المنصف المتلطِّف الليِّن الذي يراعي في حواره الاستدراجي حال الخصيم ونفسيَّته وظروفَه. لقد سألهم النبي - عليه السلام - عمن يرزقهم من السماوات والأرض، وهو سؤالٌ استدراجيٌّ لا ينتظر له منهم إجابة في هذا السياق، لمعرفة السائل المسبقة بمطابقة جوابهم لما أخبر به القرآن عنهم(3)، فقد ورد في سياق آخر قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾،(4)
(1) ـ تجاهل العارف هو: «سوق المعلوم مساق غيره لنكتة المبالغة في أمر من الأمور»، تقي الدين أبوبكر بن علي الحموي ابن حجة المصدر نفسه، ج. 1: 274.
(2) - اللف والنشر «ويسمى أيضا الطي والنشر» هو: «أن تذكر شيئين … وتفوض إلى العقل رد كلِّ واحد إلى ما يليق به»، المصدر السابق، ج. 1: 149.
(3) - لقد أُنزلت سورة يونس قبل سورة سبأ، فيونس هي السورة الواحدة والخمسون في ترتيب نزول القرآن بينما جاءت سبأ في المرتبة الثامنة والخمسين، انظر ابن عاشور، المصدر نفسه، ج. 11: 78، و22: 133.
(4) ـ القرآن الكريم، يونس: 31 ..