أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي
الجزء ٣ · صفحة ٣١وإنَّما هو سؤالٌ تمهيدي نفسيٌّ يقيم جسرًا مشتركا بين السائل والمسؤول، ومن خلال هذه المداخل النفسية التي تقود إلى ما يوهم بالاشتراك التام بينهما ـ وهو اشتراكٌ حقيقيٌّ في كلِّ جوانبه كما تمَّ رسمها بتلك الاحتمالات الموضوعيَّة ـ يمارس الداعية إبهاميَّة متعمَّدة تلقي بظلال من الشكِّ المثير في ذهن الخصم ونفسه، ومن ثم تواتي إمكانيَّة أن يتأمَّل العاقل المنصف الذي لم يفقد فطرته نهائيا بعد، فيسحب نفسه من هذه الظلال التشكيكيَّة ليجدها تنحاز إلى جانب الصواب لا محالة، لأنَّ الموضوعية التي تبنَّاها الداعية تدعو الخصم إلى الانتصاف من نفسه، تمامًا كما انتصف الداعية له في ظاهر الأمر.
ويبلغ الانتصاف من النفس مداه في موضوعية راقية وعقلانية لم تطلها عقلية أخرى عندما يستدرج القوم في مساواة منصفة عجيبة إلى أوهامهم: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، فيؤكِّد لهم أنَّ ما يتراءى لهم أنَّه إجرامٌ منه تعود عواقبه ـ إن كانت له عواقب وخيمة ـ عليه وحده، مثلما أنَّ مسؤولية عملهم تخصُّهم وحدهم. وعبَّر بالإجرام ونسبه إلى نفسه ـ حاشاه ـ، ووصف نشاطهم الإشراكيَّ بالعمل وحسب، مجرَّدًا من أي وصف إقصائيٍّ أو وَسْمٍ تقييميٍّ، على طريقة الحياد الاستدراجي، انتصافا لنظرتهم الواهمة، وبهذا الخطاب المنصف يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد استبعد كلَّ ما يمكن أن يقف حائلا دون الالتفات إلى أصل الحوار أو أن يستثير نخوتهم الزائفة.