مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

رسائل جامعية ملخص أطروحة دكتوراه يحيى بن بهون الحاج امحمد

الجزء ٢٥ · صفحة ١٢

لم يكن الجربي مجرَّد شارح وناقل لما قاله البلاغيون، بل تبيّن أنه ذو شخصية مستقلة ومتميزة، وقد ظهر ذلك في توجيهاته وردوده على بعض آراء التفتازاني وعبد القاهر الجرجاني والزمخشري والسَّكاكي والقزويني، فكان يأخذ ما يراه واجباً ويعدل عما يراه بحاجة إلى تعديل وقد يخالف ما لا يعجبه وما لا يرتضيه، كما رأيت منه التفاتات ذكية تنم عن ذوق أدبي واهتمام بمواطن الجمال، وإشارات ذوقية يمكن للقارئ المتأني أن يجمعها ويستخرجها.

كما تبين استخدامه للمنطق والفلسفة لعرض القضايا البلاغية وتبسيطها، ويعود ذلك إلى ثقافته المتعمقة فيهما، ولم يكن في ذلك متميزاً بل جارى سابقيه فحافظ على العلم الذي اكتسبه وسعى لأدائه بأمانة.

وقد أكثر الجربي من الاستشهاد بالآيات القرآنية والنصوص الشعرية، كما تجلى اعتماده على آراء عبد القاهر في عرض القضايا البلاغية وفي بيان الصلة القوية بين المدرسة الأدبية والمدرسة الكلامية في البلاغة، ولم يكن يتعصب لرأي من الآراء وإنما كان يحاول التوفيق بينها، وقد يذكر الرأيين كما هما إنصافاً لصاحبهما …

وإني من هنا آمل أن أكون قد أزلت الغموض الذي اكتنف هذه الشخصية، إذ لم يهتم أحد بدراستها دراسة متأنية مستفيضة تكشف لنا اللثام، وتظهر مكانة الرجل العلمية، وأن يكون هذا العمل مشاركة في إحياء التراث العربي، وإخراج هذا الأثر البلاغي المغربي من بين ركام الأيام ورطوبة خزانات المخطوطات المعتقة، حتى يتحقق النفع وتعم الفائدة، وبهذا يتجلى وفاء الخلف للسلف، وتستبين الروابط الفكرية بين اللاحقين والسابقين.

٤٢٤ / ٤٤٩