أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي
الجزء ٣ · صفحة ٣٣تحدَّث المفسرون عن الإيماءات البلاغية التي ترجح «أحد الجانبين في أحد الاحتمالين»،(1) جانب الداعية في احتمال الهدى على جانب الخصم في جهة الضلال، غير أنَّ أمثال ذلك كما أشرتُ ينبغي ألاَّ يستوقفنا كثيرًا ويستنزف أقلامنا فيما لا يكون فيه لمقصد الخطاب الدعويِّ كبير غناء، فالمؤمنون على يقين ثابتٍ لا يحتاجون إلى رجحان الكفَّة الأولى على الثانية، وإنَّما الذي ينبغي أن يقف عنده «الأسلوبيُّون» الجادُّون ومنشؤو الخطاب المسالم طويلا هو هذه المحاورة المؤدَّبة والملاطفة الاستدراجيَّة، لنتعلَّم منها الترفُّق الدعويَّ في محاججة القوم المخالفين من أي شِعب من شعاب الفكر أتوا ومن أي مشرب من مشارب الحياة كانوا(2).
(1) ـ ابن عاشور، المصدر نفسه، ج. 24: 192.
(2) ـ هذا النوع من الأسلوب المترفِّق لم يكن في الحقيقة غائبا غيابًا كاملا عن العرب الجاهليين، مثله في ذلك تماما مثل كثير من القيم الإنسانية التي قال الرسول - عليه السلام - في حقها: «إنما جئت لأتمِّم مكارم الأخلاق»، فقد كان لهذا الأسلوب حضور في ثقافة الجاهليين وإن كان نادرا وفريدا، انطلقت به ألسنة الشعراء في لحظات التجلِّي العقلي، ثم استضافته ذاكرة الذين واكبوا الدعوة الإسلامية كحسان بن ثابت - رضي الله عنه - وغيره، تمثلاً لمفهوم الإنصاف المنبئ عن معدنٍ كريمٍ في التعامل مع الخصم، فهذا شاعر مجهول يقول في شأن خصمه:
نحن أو انتم الأولى ألِفوا الحقَّ فبعدا للمبطلين وسحقا
ويقول سلمة بن الخرشب الأنماريِّ في حقِّ خصمه عامر بن الطفيل:
فدىً لأبي أسماء كلّ مقصر … من القوم من ساعٍ بوترٍ وواترِ
بذلت لها المخاض البزلَ ثم عشارها … ولم تنه منها عن صفوف مظائر
أبو محمد عبد الله بن يوسف ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تح. مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، دار الفكر، ط.6 (1985) 87. و «الصفوف»: الناقة الحلوبة التي تصف في محلبين في حلبة واحدة، و «المظائر»: التي عطفت على ولدها وكانت ظئرا له، ويقول حسَّان بن ثابت - رضي الله عنه - ردا على أبي سفيان بن الحارث:
أتهجُوهُ ولستَ لهُ بكفءٍ … فشرُّكما لخيركُما الفداء
حسَّان بن ثابت الأنصاري، شرح ديوان حسان، وضعه عبد الرحمن البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت (1981) 61.