دور الإفتاء في التقريب بين المذاهب الإسلامية الجزء الثاني علي بن مبارك
الجزء ٤ · صفحة ٨لقد جمعنا في توظيفنا لـ «رسالة عمَّان»(1) بين الحقيقة والمجاز، فحقيقة هذه الرسالة أنَّها عنوان البيان الختاميِّ الذي أقرَّه المؤتمر الإسلامي الدولي بعمَّان عاصمة الأردن تحت عنوان «حقيقة الإسلام ودوره في المجتمع المعاصر»(2) أمَّا مجازها فيتمثّل في استعمالنا لها للدلالة على المؤتمر بمختلف فعالياته. وصدرت أعمال هذا المؤتمر ضمن كتاب عنوانه «إجماع المسلمين على احترام مذاهب الدّين»(3) قُسِّم إلى بابين، اهتمَّ الباب الأوَّل بالأعمال المقدَّمة في المؤتمر وقسمت إلى ثلاثة محاور اشتغل عليها المؤتمرون وهي:
*- تعريف من هو المسلم؟
*- وهل يجوز التكفير؟
*- ومن له الحق في أن يتصدّى للإفتاء؟
كما احتوى الباب الأول البيان الختامي: «رسالة عمَّان»(4)
(1) - حظيت «رسالة عمَّان» باهتمامٍ مخصوصٍ من قبل بعض الباحثين والمؤسسات، وفي هذا الإطار نظَّمت الجامعة الهاشميَّة الأردنية مؤتمرًا دوليًّا حول «رسالة عمَّان في عيون الآخرين»، عمَّان، 20 - 21 سبتمبر 2006.
(2) - انعقد هذا المؤتمر في عمَّان بين 27 و29 جمادي الأولى 1427 هـ، الموافق لـ 4 - 6 يوليو (جويلية)، 2005، بدعوة من الملك عبد الله الثاني، وتحت إشراف مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي.
(3) - صدر هذا الكتاب في طبعته الثالثة سنة 2006، وقدَّم له الأمير غازي بن محمد.
(4) - أقرت رسالة عمَّان بناء على محاور المؤتمر:
أولا: إنّ كل من يتَّبع أحد المذاهب الأربعة من أهل السنَّة والجماعة (الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي) والمذهب الجعفري، والمذهب الزيدي، والمذهب الإباضي، والمذهب الظاهري، فهو مسلمٌ، ولا يجوز تكفيرُه. ويحرم دمُه وعرضُه ومالُه. وأيضاً، ووفقاً لما جاء في فتوى فضيلة شيخ الأزهر، لا يجوز تكفيرُ أصحاب العقيدة الأشعريَّة، ومن يمارس التصوُّف الحقيقي. وكذلك لا يجوز تكفيرُ أصحاب الفكر السلفيِّ الصحيح. كما لا يجوز تكفيرُ أيِّ فئةٍ أخرى من المسلمين تؤمن بالله سبحانه وتعالى وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - وأركان الإيمان، وتحترم أركان الإسلام، ولا تنكر معلومًا من الدين بالضرورة.
ثانيا: إنَّ ما يجمع بين المذاهب أكثر بكثير ممَّا بينها من الاختلاف؛ فأصحاب المذاهب الثمانية متفّقون على المبادئ الأساسيَّة للإسلام. فكلُّهم يؤمنون بالله سبحانه وتعالى، واحداً أحداً، وبأنَّ القرآن الكريم كلام الله المنزَّل، وبسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - نبياً ورسولاً للبشرية كافّة. وكلهم متفقون على أركان الإسلام الخمسة: الشهادتين، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وحجِّ البيت، وعلى أركان الإيمان: الإيمان بالله، وملائكته، وكتُبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشرِّه. واختلاف العلماء من أتباع المذاهب هو اختلاف في الفروع وليس في الأصول، وهو رحمة؛ وقديماً قيل: «إنَّ اختلاف العلماء في الرأي أمرٌ جيِّد».
ثالثا: إنَّ الاعتراف بالمذاهب في الإسلام يعني الالتزام بمنهجيَّة معينة في الفتاوى: فلا يجوز لأحد أن يتصدَّى للإفتاء دون مؤهِّلات شخصية معينة يحددها كل مذهب، ولا يجوز الإفتاء دون التقيُّد بمنهجية المذاهب، ولا يجوز لأحد أن يدَّعي الاجتهاد ويستحدث مذهباً جديداً أو يقدِّم فتاوى مرفوضة تخرج المسلمين عن قواعد الشريعة وثوابتها وما استقرَّ من مذاهبها. (كتاب: «إجماع المسلمين على احترام مذاهب الدين»، أعمال المؤتمر، ص 22 - 23).
وقد وقع تبنِّي هذه النقاط الثلاث بالإجماع في قمَّة منظَّمة المؤتمر الإسلامي في مكَّة المكرمة في كانون الأول (ديسمبر) عام 2005م. وعلى مدى عام من تموز (يوليو) 2005م إلى تموز (يوليو) 2006م. كما تم تبنِّيها أيضاً في مؤتمرات إسلامية عالمية أخرى، كان آخرها مؤتمر مجمع الفقه الإسلامي العالمي (ومقرُّه جدَّة)، الذي عقد في عمَّان في تموز (يوليو) 2006م.