مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

دور الإفتاء في التقريب بين المذاهب الإسلامية الجزء الثاني علي بن مبارك

الجزء ٤ · صفحة ٢٢

ونتج عن هذا التغيُّر في الأدوار ـ خاصَّة في الفضاء السُّنِّي ـ انتشارُ الفتاوى إلى درجة «التورُّم» المخيف، وأصبح المتصدُّون للإفتاء لا حصر لهم يصرِّحون بالفتوى والفتوى المضادَّة لها، ويُبدعون فتاوى مضحكة مبكية في الآن ذاته، ونتج عن «فوضى الإفتاء» هذه ارتباك على مستوى المنظومة الدينيَّة وعلى مستوى الحياة الاجتماعيَّة نظرًا لما اكتسبته الفتاوى من بُعدٍ إلزاميٍّ إجرائيٍّ تحوَّل بموجبه الإفتاءُ من خطابيٍّ استشاريٍّ غير ملزم (على عكس القضاء) إلى خطابٍ إجرائيٍّ له تداعيات على مستوى سلوك الأفراد والمجموعات، وهذا ما نلحظه بجلاء فيما يتعلَّق بفتاوى «تكفير المسلم» وما ينتج عنه من مضايقات ومحاكمات واستباحات في الدم والمال والعرض.

إنَّ رسالة عمَّان والفتاوى الملحقة بها تُمثِّل صوت «المؤسَّسات الدينيَّة الرسميَّة» ومن ورائها «كبار العلماء» و «المراجع» الذين ظلُّوا لقرونٍ خلت يؤكِّدون أحقِّيتهم بالإفتاء دون غيرهم، وأنَّ المفتي لا بدَّ أن يرخَّص له للاضطلاع بعملية الإفتاء، ولكن من يُرخِّص لِمَن؟ في خضمِّ سياقٍ حضاريٍّ مُضطرب تداخلت فيه الأدوارُ وتشابكت فيه العلاقات وتغيَّرت فيه الثقافات؟

لقد عكست نصوص الاستفتاءات تحوُّلا خطيرًا في وظيفة الإفتاء وعناصره وشروط المتصدين له، وسنحاول أن نرصد هذا التحوُّل بأكثر عمق عندا نتناول نصوص الفتاوى (إجابات العلماء) المتعلِّقة بتعريف المفتي ومكانته وآدابه وشروطه ومهامه.

- - -

٦٧ / ٤٤٩