مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

افتتاحية العدد 18

الجزء ٢ · صفحة ٤

هذا الوعيد إذا كان الناقل حاطب ليل، وعلى طبيعته التي اعتاد عليها في نقل الأخبار دون تريُّّث أو تروٍّ. فكيف بمخترعٍ للإشاعات، ومروِّج للفتن والصراعات، قصد إيهام الناس وتضليلهم؛ لاسيما إذا كان ممن تعمَّم العمائم، فتصدَّر المجالس، وارتقي المنابر، أو علَّم الأجيال، أو ممن يثير العامَّة والخاصَّة بما يكتب من مقال … فلا يهنأ له بالٌ إلاَّ إذا رأى لكلمته الأثر الذي يتوق إليه فكرُه السقيم، من نار تشتعل في ديار الإسلام، فيشبَّ لهيبُها وتأتي على الأخضر واليابس، فتُنتَهك الحرماتُ، وتُداسُ كرامة الأحياء والأموات، ولا يهمُّه بعد ذلك إن هُدَّت عمارة أو أبيدت حضارة … ينتصر لرأيه مهما كانت آثارُه، ويأتي بالمبررات والشواهد بلَيِّ أعناق الآيات الكريمات، ويسخِّر لمآربه الدنيئة الأحاديث الضعيفة، وما اندسَّ في التاريخ من الروايات، في خطب رنَّانة، وكلمات مؤثرة طنَّانة .. تُوهم الجاهل الغافل بأنَّه على الحق المبين، فتجعل العاصي المعتدي «مجاهدًا» في سبيل رب العالمين، وأنَّ خصمه المعتَدَى عليه «عدوَّ» الله اللعين … ! فكيف لا يكون حكم هذا الصنف المتكلِّمين أشدّ من الصنف الأوَّل الذي قال كلاما ولم يُلقِ له بالاً؟

لقد سارت الركبان في القديم بكلام خدم ركاب الحكَّام، فكم من حاكمٍ عبر التاريخ اتَّخذ له بطانة من المؤرِّخين، يلفِّقون له ما يمجِّدُه، إن صدقا وإن كذبا، وفقهاء يستحلُّون أفعاله، فيقدِّمون له الفتاوى وفق مزاجه ورغباته! فيُظهروا معارضيه بمظهر العصاة البغاة المعتدين، ويجرِّمون من عصى أمره حتى وإن سلب هذا الحاكم المال وسبَّ الآل، وجلد الظهر وشرب الخمر … ! ومع كل ذلك فنادرًا ما نجد فقيها أو مؤرِّخا من هؤلاء تاب بعد موت من انتصر له أو بعد انهزامه؛ فتبيَّن أنه ما كان ليخالف ضميره لولا الخوف من البطش، أو الطمع في الجاه والمال.

٧ / ٤٤٩