افتتاحية العدد 18
الجزء ٢ · صفحة ٣نحن الآن نجرِّد أقلامنا، لنكتب بها عبارات تَخْلُد بعدنا أعوامًا وعقودًا أو قرونا، نُحاسَب عليها، وعلى كلِّ آثارها، أسلبيَّة كانت أم إيجابيَّة، أو كانت كلامًا فرواها عنَّا غيرُنا، ثمَّ تحوَّل هذا الكلام إلى كُتب، أو فقرات في ثنايا مواضيع تُعمَّر ما دامت تلك الكتب أو الفقرات.
فأمَّا الكلمة الطيبة فلها أثرها الطيِّب، تؤدي إلى ربط الأواصر، فتولد لُحمةً تعم البوادي والحواضر، وتوادًّا وتراحمًا وإحسانًا غير حاسر … أمَّا الكلمة الخبيثة الخاطئة فتؤدِّي إلى حكم ظالم على المتكلَّم فيه، وتدوينُ ذلك الحكم بالكتابة يؤدِّي إلى ديمومته وتناقُله عبر الأجيال، وعدمُ التحرِّي فيه يؤدِّي إلى تكريسه، وتشرُّب النفس به واعتقاده، فيتحرك الغافل على مقتضاه، فيظلم ويعتدي قولا وفعلا مجاوزا مداه، فينال بذلك الفتَّانُ ـ ومن ورائه الشيطانُ ـ بغيته ومُناه.
أيمكن أن يكون كل هذا لكلمة يقولها الإنسان؟ بلى، ألم يسمع هؤلاء قول الرسول الأكرم: «رُبَّ كَلِمَةٍ لاَ يُلْقِي لَهَا الرَّجُلُ بَالاً تَهْوِي بهِ في النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»، وقد روى الربيع بن حبيب في مسنده عن أبي عبيدة س قال: بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبلُغَ مَا بَلَغَتْ، فيَكْتُبَ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إلى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبَ اللهُ لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ».