مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

عُمان بعيون جزائرية 1900م - 1964 م

الجزء ١ · صفحة ١٤٢

القضية العمانية.

وتوسعت مهام الشيخ اطفيش الدبلوماسية، فامتدت مع مطلع 1961 إلى جمعية الأمم المتحدة بنيويورك، لما كلّف بعرض قضية عمان على الهيئة الأممية، فدامت رحلته ثلاثة أشهر، حرص خلالها على مقابلة وزراء الدول الأعضاء وسفرائها ورؤساء وفودها، وتعريفهم بتاريخ عمان وموقعها

(1). الرسالة بعنوان "عمان الإمامية"، طبعت في ذي الحجة 1375هـ/ مايو 1955، انظر: د. محمد ناصر، الشيخ إبراهيم أطفيش في جهاده الإسلامي، جمعية التراث، القرارة الجزائر، 1991، ص. 77.

(2).نفسه، ص77، نقلا عن رسالة مؤرخة في 20 ربيع الأول 1372هـ الموافق لـ7/ 12/1952.

(3). لقاء مسجل في شريط سمعي بصري مع السيد محمد اطفيش نجل الشيخ بالقرارة في 1986.

(4) محمد ناصر، المصدر السابق، نقلا عن رسالة للشيخ إبراهيم اطفيش إلى أبي اليقظان، غير مؤرخة.

الجغرافي ومركزها السياسي، وشرح القضية العمانية لهم في مواجهتها للاستعمار.

ولقد اجتهد الشيخ في مسعاه الدبلوماسي الحسّاس في أن يبدي مهارة وحنكة في عرضه للقضية المضطلع بها، بمراعاة الفروق في الطروحات السياسية والفكرية بين الشخصيات التي قابلها، وباعتبار الحكومات التي يمثلونها «حيث إن هذه الحال تستلزم البيان الوافي وتكييفه حسب ما يقتضيه الحال وما يستوجبه المقام من رعاية الشخص والدولة التي ينتمي إليها … فقد استلزم الأمر مجهودا ومهارة ودقة في التصوير، حتى أتاح لنا القدر أن نفوز على العدو في الجلسة الأولى لدى اللجنة السياسية ثم في الجلسة الثانية والحمد لله، وكان اندهاش الناس بهذا الفوز بالغا حيث لم تحظ قضية بمثل هذا الفوز فلله الحمد والمنة، ولعلك تعلم أن أخاك عنيد في مثل هذه المواقف» (1).

وطوت القضية مرحلة هامّة في كسب التأييد الدولي، حتى أوشكت جهود الشيخ أن تثمر، وعيّن ممثلون عن الإمامة في البلاد العربية، وكان عبد الله بن حمد الحارثي ممثلا لها في الجزائر.

وألحّ العديد من الدول العربية على طرح هذه المسألة على الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما أدّى في 1963 إلى إرسال لجنة لتقصي الحقائق في عين المكان، غير أن هذه اللجنة وضعت تقريراً مخالفاً للحقائق، فاتهمتها الدول العربية والعديد من دول العالم الثالث بالانحياز لبريطانيا، فتكونت لجنة ثانية من بلدان أعضاء في الأمم المتحدة لدراسة القضية ذاتها، فكانت نتيجتها أن وضعت تقريراً يوصي بأن تنهي بريطانيا «حمايتها» أو احتلالها لعمان فوراً.

غير أنّ القوة العسكرية على الأرض حسمت الموقف لصالح السلطان فدانت كل بلاد عمان إلى حكم مسقط، فصارت عمان موحّدة لأول مرة في القرن العشرين تحت حكم السلطان سعيد بن تيمور (2).

وهكذا نخلص في الأخير إلى أن عمان عرفت منذ بداية القرن الميلادي العشرين نشاطا فكريا وسياسيا حثيثا تبلورت من خلاله دولة عمان المعاصرة، وفرضت وجودها الحضاري في محيط جيوسياسي تتدافع فيه القوى الإقليمية والدولية.

ونتأكد من خلال ما تقدّم أيضا عمق العلاقات التي جمعت الجزائر وعمان، بالرغم من بعد المسافة بين البلدين، وتبدو الفكرة الدينية كما يؤكّد عليها المفكر الجزائري مالك بن نبي هي العنصر الأقوى والعامل الأهم الذي يحرّك الأفراد والمجتمعات ويدفعهم إلى العمل والاجتهاد والتضامن والتآزر بين الجماعات والشعوب.


(1). من رسالة من اطفيش إلى أبي اليقظان بتاريخ 10 صفر 1381هـ الموافق لـ23 يوليو جويلية 1961م

(2). د. حسين غباش، عمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث 1500 - 1970، ط3، در الفارابي بيروت، 1999، ص. 315 وما بعدها.

/

١٤٢ / ٢٣٨