الأمن (الشرطة) في عهد الرستميين
الجزء ١ · صفحة ١٧٧أوطانها البدوية في عمق المغرب الأوسط نحو العاصمة تيهرت كما هي عادتها كل سنة، إلا أنها في سنة من سنوات حكم الإمام عبد الوهاب، يبدو أن علاقة رئيس هذه القبيلة وهي قبيلة هوَّارة الزناتية ساءت بالإمام عبد الوهاب، فحاول التآمر عليه بواسطة هؤلاء البدو الذين وجَّههم إلى الإمام يشتكون من فساد بعض الإداريين ويقولون له إن:" صاحب شرطتنا فاسق" (3) ولما تحقق معهم الإمام لم يجدوا جواباً لِمَا أنكروا على الموظفين من الأفعال، كما لم يعرفوا مبرراً لقولهم بفسق صاحب الشرطة، لأنهم إنما أُرسِلوا بأخبار مغلوطة ضمن مؤامرة محبوكة لم تكتمل خيوطها إلى النهاية.
إن شرطة عبد الرحمن قائمة بالواجب، وصاحب شرطة عبد الوهاب فاسق، هكذا بهذه السرعة في عز الدولة الرستمية، أمر غير واقعي، خاصة وأن الإمام عبد الوهاب عُرف بالقوة والحنكة والنباهة والحزم، وهو في نهاية المطاف الإمام الذي يجمع جميع السلطات في يديه ومنها
(1). أبو زيد شلبي: تاريخ الحضارة 135 وما بعدها، عن الشرطة انظر الرحموني: نظام الشرطة في الإسلام، وانظر كتابنا: القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية، الفصل الثاني من الباب الثاني.
(2). ابن الصغير 35.
(3). نفسه: 48
الشرطة، فلا يُعقل أن تكون شرطة الإمام الثاني في الدولة الرستمية إلا قائمة بما يجب هي الأخرى تماما مثلما كانت شرطة سلفه عبد الرحمن.
ويبدو أن الشرطة كانت في العهود اللاحقة: عهد الإمام أفلح (208 ـ 258ه) فأبي بكر (258 ــ 261ه) فأبي اليقظان (261 ــ 281ه)، يقظة قائمة بمهامها، وربما ارتبكت في فتنة ابن عرفة التي اندلعت في حدود عام 261هـ/855م، إذ عرف المجتمع الرستمي اضطرابات عنيفة عصفت بأمنه واستقراره.
وفي عهد أفلح، كانت الشرطة تراقب المدينة من أقصاها إلى أقصاها، إلا أن صاحب الشرطة في هذا العهد، جَبُن من دخول سوق أحد الأثرياء هيبةً منه، يذكر ابن الصغير أنه" كان صاحبَ شرطة أفلح إذا تخلل بالمدينة لافتقادها، لم يجسر أن يدخل سوق ابن وردة ولا يتخلله هيبةً" (1) منه، وهذا مؤشر صريح على طغيان المال في أواخر عهد الإمام أفلح، إذ سيترك أثاراً سلبيه في العهود اللاحقة، وسيرهق الأئمة الذين تعاقبوا على السلطة بعد أفلح بن عبد الوهاب.
وإذا جئنا إلى عهد الإمام أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان (281 ــ 294هـ) الذي عاش فتنة المنافسة على السلطة بينه وبين عمه يعقوب بن أفلح، مما أدى إلى فساد البلد وانقلاب أمنه اضطراباً، يذكر ابن الصغير دائماً، وهو المعاصر للأحداث دون سواه من المؤرخين، وهو بذلك