مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

الأمن (الشرطة) في عهد الرستميين

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

العمدة في التاريخ الرستمي، أن أبا حاتم لما استردّ عاصمته ودخلها منتصراً على عمِّه يعقوب بن أفلح المنافس له، جمع مشايخَ الإباضية وغير الإباضية وسألهم: "من ترضوْن أن نوليه الشرطةَ فقال قومٌ: زكار وقد قُتل ابنه بين يديك وله نصيحة، وقال قومٌ: إبراهيم بن مسكين فإن له صلابةً في الحق، فولاّهما جميعاً" (2)

إن اختيار صاحبي شرطة اثنين وليس واحداً، كما جرت العادة في المدن والعواصم، وبالمواصفات والشروط التي جاءت في النص وهي أن زكاراً صاحب نصيحة ورأي وولاء للإمام أبي حاتم، وإبراهيم بن مسكين تميز بالصلابة في الحق، الأمر الذي رشحهما لتولي منصب صاحب الشرطة، تدعو إلى التساؤل، فما معنى صاحبي شرطة؟ لماذا اثنان وليس واحداً؟ كيف كانا يتعاملان؟ كيف كان تنسيق عملهما؟ أسئلة يطرحها النص سالف الذكر، وربما للإجابة عنها يمكن أن نتحدث عن مبلغ الفساد الذي أصيب به المجتمع التيهرتي جراء فتنة المنافسة على السلطة من جهة، وتفاقم الثروة التي رأينا بعض سلبياتها منذ أواخر عهد أفلح على جهاز الشرطة نفسه فضلاً عن المجتمع، فقد فسد أهل تيهرت فانغمسوا في حياة اللهو والمجون، استباحوا المحرمات واتخذوا المسكر أسواقاً والغلمان أخداناً (3)، لقد تمكَّنت المفاسد في أفراد المجتمع مع غياب الرقابة وامتداد الفتن، فاحتاج الإمام بمجرد أن استقامت له الأمور أن يختار صاحب شرطته، ويستشير في ذلك مشايخ الإباضية وغير الإباضية فكلهم مسؤولون عن هذا الخراب الذي أصاب المجتمع.

ويبدو أن عاصمة الرستميين، امتد عمرانها، واتسعت آفاقها، وكثرت أسواقها وأزقتها وشوارعها وسكنتها طوائف من الناس حتى عرفت باسم عراق المغرب وقد زارها في هذا الزمن تقريباً، الجغرافي الرحالة والمؤرخ الثقة، أحمد بن واضح اليعقوبي وقال عنها:" المدينة العظمى مدينة تاهرت (كذا)، جليلة المقدار، عظيمة الأمر، تسمى عراق المغرب" (4)

فهذه المدينة العظمى بحاجة إلى صاحبي شرطة، لإعادة الأمن والطمأنينة إلى رعاياها ولاجتثاث الفساد الذي ضرب أهلها في الصميم، لمَّا غفلت الرقابة ردحاً من الزمن أو غابتْ. ولعل الإمام أبا حاتم كلف صاحب شرطةٍ بجناح من المدينة وكلف الآخر بجناحٍ آخر، المهم أن الجهود تكاثفت واتصلت للقضاء على ذلك الفساد في أسرع وقت ممكن وقد تم للإمام ما أراد.

لقد قامت الشرطة بأعمال جبارة في هذه الفترة لاستئصال جذور الفساد من المجتمع (5)، وهي الفترة التي بدأت فيها مطارق أبي عبد الله الشيعي داعية الفاطميين وقائد ثورتهم، تدك قلاع دولة الأغالبة في المغرب الأدنى.

وإذا كان الأستاذ هوبكنز يذكر أن ابن الصغير، تحدث عن الشرطة إلا إنه لم يأت بالتفاصيل (6)، فإن الأستاذ عثمان الكعاك وشيخ بكري وجيرارد دانجيل ( Gerard Dangel) كلهم (7)، استطاعوا أن يستشفوا من النصوص المذكورة لابن الصغير، العديد من مهام الشرطة أهمها:

1. تخليل المدينة، أرى أن كلمة تخليل تعني التوغل في أزقتها وشوارعها الضيقة فضلاً عن الواسعة.

2. تخليل السوق، وتحمل نفس الدقة في المراقبة والمتابعة للسوق ومتاجره.

١٧٨ / ٢٣٨