التواصل بين إباضية المشرق والمغرب في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة
الجزء ١ · صفحة ١٨١(1). أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، تميمي بالولاء، مولى لعروة بن أدية، أصله من فارس، أخذ العلم عن جابر بن زيد وروى عن كثير من الصحابة منهم، أنس بن مالك، وأبو هريرة وابن عباس وعائشة أم المؤمنين، نذر نفسه لطلب العلم فقعد أربعين سنة متعلم، وأربعين أخرى معلما، تولى إمامة الإباضية بعد شيخه جابر بن زيد، وذلك بعد خروجه من سجن الحجاج سنة 95هـ/713م، وعرفت الإباضية في عهده كثيرا من النجاحات والإنجازات. أبو العباس أحمد بن أبي عثمان سعيد الشماخي، كتاب السير، تح: محمد حسن، ج01، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2009، ص196 - 199. وجمعية التراث، معجم أعلام الإباضية منذ القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر، مج04، المطبعة العربية، ط01، الجزائر، 1999، ص873 - 877.
لا شك أن تطور الحركة الإباضية ونمو تنظيمها، وانتشار حركتها السريعة في اليمن وعُمان وخراسان وشمال إفريقيا، يعود إلى الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، أحد أبرز فقهاء الإباضية وأعلامهم الأوائل، فبفضل قدراته كعالم وكرجل سياسة معا وأفقه الواسع، تمكن من تنظيم الدعوة الإباضية في مرحلتها السرية بشكل دقيق وذكي.
وقد لعب الدور الأكبر باعتباره القائد الأكثر نجاحا للحركة الإباضية في أثناء الفترة الأخيرة من العهد الأموي وبداية العهد العباسي (1).
في شمال إفريقيا تروي المصادر الإباضية أن أول داع لمذهبها بالمنطقة هو سلمة بن سعد الحضرمي (2)، والذي كان مبعوثا من أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة إمام الجماعة الإباضية في البصرة في تلك الفترة (3)، والذي كان مدفوعا بطموح وحماس وقاد في أن يرى إمامة الإباضية سائدة في شمال إفريقيا، إذ يروى عنه أنه كان يقول: "وددت أن لو ظهر هذا الأمر ـ يعني مذهب الإباضية ـ يوما واحدا من أول النهار إلى آخره فلا آسف على الحياة بعده" (4).
قام أبو عبيدة بإرسال الداعية سلمة بن سعد إلى شمال إفريقيا في فترة حساسة من تاريخ المنطقة، والتي كانت تتسم بالظلم والتعسف في الأموال والجبايات ومعاملة الأمازيغ المسلمين معاملة العبيد، بما لا يمتُّ إلى الدين الإسلامي بأية صلة، وقد تحدث كثير من المؤرخين الأوائل، عن السياسة الجائرة التي جرى عليها بعض ولاة بني أمية ببلاد المغرب الإسلامي، ومن أمثلة ذلك ما قام به يزيد بن أبي مسلم (102هـ/ 721م، 103ه/722م.)، والذي اعتبر البربر المسلمين في منزلةٍ أدنى من العرب الفاتحين، وفيئا للمسلمين وقام بتخميسهم، وفرض عليهم الجزية، وتمادى في الظلم إلى درجة أنه أراد أن يسِم (الوشْم) أيدي حراسه ليميزهم عن غيرهم.
(1). عمرو خليفة النامي، دراسات عن الإباضية، تر: ميخائيل خوري و ماهر جرار، دار الغرب الإسلامي، ط01، بيروت، 2001، ص96.