مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

التواصل بين إباضية المشرق والمغرب في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة

الجزء ١ · صفحة ١٩٦

ج01، ص21.أبو العباس احمد الشماخي، المصدر السابق، ج02، ص270.

(3). أبو العباس احمد الشماخي، المصدر السابق، ج02، ص270.

وقد بلغت أخبار دولته الجماعة الإباضية بالمشرق، فسروا بالأمر أيما سرور، وأمّلوا خيرا في هذه الدولة أن تلبي طموحهم وتحقق آمالهم، فلم يتوانوا في مدها بالنصح والإرشاد ودعمها، لتقوم على أسس صحيحة ولتعمر طويلا.

كان أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وكالعادة، المعلم الحريص الذي لا يترك أبدا أبناءه ولا ينقطع عن متابعة أخبارهم وكان على دراية بالتطورات الواقعة في صفوف الحركة الإباضية ببلاد المغرب الإسلامي، وذلك حسب الرسالة التي بعث بها إلى أهل المغرب مجيبًا عن استفساراتهم في موضوع الزكاة والتي حملت عنوان (رسالة أبي كريمة في الزكاة) (1)، والتي قال فيها في هذا الصدد: (فلعمري قد سرني ما انتهيتم إليه من أمركم، وإن كان ذلك لم يَخفَ عنا غير أنَّا لم نظن الذي كتبتم به إلينا، والله سيتم لكم الخير كله بعونه وتوفيقه).

والظاهر من فحوى الرسالة أن أبا عبيدة كانت له وسائله وطرقه التي تمده بالأخبار وهذا يدل على حرصه على مواكبة تطورات جماعته بشمال إفريقيا، وقد سر واغتبط للتطورات التي آلت إليها الحركة واستبشر خيرا بمستقبل الجماعة، قال رحمه الله:

(أتانا كتابكم تذكرون فيه عظيم ما منَّ الله عليكم من جمع كلمتكم، وائتلاف أمركم في كثرة من بحضرتكم من أهل الخلاف لكم، ولعمري ما كثرتهم وإن كثروا بأكثر ممن كان قبلهم على من كان قبلكم من سلفكم، فاقتدوا بهم تهن عليكم كثرتهم على خلافكم، نسأل الله العون والتوفيق لكم في جميع أموركم، وأن يكفينا وإياكم بأسهم، وأن يجعل لنا ولكم ولجميع المسلمين الدائرة عليهم ويشفي صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم).

فلعمري قد سرني ما انتهيتم إليه من أمركم، وإن كان ذلك لم يخف عنا غير أنا لم نظن الذي كتبتم به إلينا، والله سيتم لكم الخير كله بعونه وتوفيقه.

أتانا كتابكم بمسائل فمنها ما رأيت أن أجيبكم فيها، ومنها ما رأيت ألا أجيبكم فيها من غير هون ولا تقصير إلا الذي رأيته أصلح لجماعتكم، وأقوم لشأنكم وأعطف لقلوبكم وأجمع لأموركم وما توفيقي إلا بالله، وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه … ) (2).

يظهر لنا من خلال مقدمة الرسالة مدى ارتباط الإمام أبي عبيدة بأهل المغرب، وارتباطهم به كونه شيخ الجماعة الإباضية ومرجعها في تلك الفترة، إذ أرسلوا إليه هذه الرسالة طالبين الإفتاء لهم عن المسائل الواردة في الرسالة رغم وجود حملة العلم بينهم والذين كانوا يمثلون علم وفقه أبي عبيدة، وقد شهد لهم أستاذهم أبو عبيدة بالنبوغ والتفوّق.

(1). مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي، المرجع السابق، ص509.

(2). مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي، نفسه، ص513 - 514.

ساهم الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة بشكل كبير في توطيد المذهب الإباضي بشمال إفريقيا بتكوينه وسهره على تعليم الطلبة الوافدين إليه من المنطقة، كما ساهم في إنجاح الحركة الإباضية وقيام مشروعها السياسي المتمثل في دولة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، ثم الدولة الرستمية بعد ذلك، كما أدَّتْ مراسلته واتصالاته بأهل المغرب التي وصل إلينا بعضها دورا بارزا في خدمة الإسلام والمسلمين والسهر على مصالحهم وما يؤلف بينهم ويوحِّد صفوفهم ويجمع شملهم وكلمتهم.

/

١٩٦ / ٢٣٨