لوحدة الإسلامية من خلال القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٤٢وندب إلى كلمة التوحيد، وحدب على وحدة الكلمة، فارتضانا أمَّة واحدة فقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (1) والصلاة والسلام على موحِّد الأمَّة، وكاشف الغمَّة، ورسول الرحمة، محمَّدِ بن عبد الله القائل في جوامع كلمه، ونوافع نظمه «لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ» (2). فاللَّهم صلِّ وسلِّم على عبدك وحبيبك ما ازيَّنت السماء بزينة الكواكب، واحتفت اللَّيالي بنديِّ الرَّواتب، واتَّسقت الجنان بشذيِّ الكواعب، وأثنيِّ على الثلَّة السابقين، من الأنصار والمهاجرين، الذين اصطفاهم ربُّ الخلائق لآخر رسله صحبةً وبناةً، واختارهم لخير أممه نجومًا وهداةً. فكانوا خيَرة من ابتغوا إلى ربِّهم الوسيلة، وصفوةَ من زيَّنوا سماء الفضيلة، وثلَّة من جاؤوا من الخيرات بكلِّ جليلة، وأسوة من جسَّدوا للعالمين الوحدة ذلولة، الذين لو أنفق أحدنا ملء الأرض ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا قليله. وعلى القُلَّة من آل بيته الأطهار، والثلَّة من جلَّة صحبه الأخيار، وعلى من سلك دربه راشدا، واستلهم حبَّه واجدًا إلى يوم تشخص فيه الأبصار.
أيها الملأ الكريم من بني قومي السُّراة، ويا حظوةَ الأمة الأباة، ويا صفوةَ الأحبة الهداة، ويا أبناءنا الأعزة الأبرار، وفلذات أكبادنا الأطهار، ويا خلفنا الصالح بعد طول أعمار، سلام عليكم تكنُّه الجوانح من ربٍّ
(1). الأنبياء:92.
(2). رواه مالك في الموطأ، رقم الحديث: 14.
غفور، ورحمة شاملة تحفُّها المدائح من برٍّ شكور، وبركة سابغة تذروها الصفائح من قويٍّ قدير، ما ازَّينت بمحيَّاكم مباسم الربيع، وانشرحت بمقامكم حنايا الضلوع، وازدهت بطلعتكم هذى الربوع، وانسكبت فرحا من محاجرها الدموع، في يوم عامر من أيام الله، وحدثٍ باهر قضى في ملكوت الله، يوم لقائنا بهذه النفوس الخيِّرة، والوجوه النيِّرة، في رحاب دار الثقافة التي تنتسب شرفًا إلى ركن شديد من أركان الإصلاح في ربوع الجزائر الفسيحة الشاعر الفحل الشيح محمَّد العيد آل خليفة رحمه الله الذي سجَّل اسمه خالدا مع العظماء في عاصمة الثقافة العربية مدينة قسنطينة العريقة، جوهرة نفيسة من جواهر البلاد الأنيقة، التي ضربت في جذور التأريخ، وتأصلت في تربة المعرفة، وتألقت في سماء النضال، وتفوَّقت في مراتب النجاح، في مثل هذا المرتع الإيماني، والمربع العلمي، والمجمع المعرفي الذي يجمعنا، أملا في الوصول إلى ما يجمعنا، نحن بناةَ الوئام، وبغاةَ السلام، وهداةَ الأنام، في زمان تحقَّقت فيه نبوءة المصطفى، فكانت الفتن تترى كقطع الليل المظلم، وتداعت الأمم على المسلمين كما تداعت الأكلة على قصعتها، وصار المسلمون كفَّارا يضرب بعضهم رقاب بعض، وتلكم الداهية الدهياء، والفتنة العمياء التي تبغي تمزيق ما تبقى في الأمة من أوصال، وتدمير ما تبدَّى فيها من أطلال، ولا عاصم اليوم من أمر الله إلاَّ من رحم. وقد صدق