لوحدة الإسلامية من خلال القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٤٣قول محمود غنيم في قصيدته وقفة على طلل:
أنَّى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصا جناحاه
ويح العروبة كان الكون مسرحها فأصبحت تتوارى في زواياه
وإنَّني إذ أجزل الشكر لمن فكَّروا - ويجب أن يفكِّروا - ولمن حضروا - ويجب أن يحضروا - هذه الندوة القيِّمة التي نرجو أن نقدِّمها قربانًا إلى من لا تخفى عنه خافية، مساهمةً منَّا في الولوج إلى أجزل الحلول، ومحاولةً للعروج إلى أنبل المثل التي تحقِّق سنَّة المولى جلَّ وعلا، وتوثِّق مُنية خيرةِ من عبد وصلَّى، في توحُّد الأمَّة تحت راية واحدة ترنو إلى غاية واحدة إنَّها مرضاة الله الواحد الديان، وتلك غاية الغايات لكلِّ من آمن من إنس وجان.
هذا وإنَّني إذ استسمح سادتي الأعلام بأن أتقدَّم بين أيديهم وقد نهينا عن التقدُّم بين يدي الله ورسوله والعلماء ورثة الأنبياء، وأتطفَّل على حرمهم المعرفي بهذه المداخلة الموسومة بالوحدة الإسلامية من خلال القرآن الكريم لأقول: إنَّ الحديث في هذا الموضوع ليس بدعًا من القول لأنَّ الكلام فيه قد شغل بال الأولين والآخرين، لا يزال يَشغل فكر كلِّ من يريد الخير راشدًا لهذه الأمة، ويسعى جاهدا لاستنبات مراتع الرحمة، واجتثاث مرابع النقمة، وهذا ما ينبغي على كلِّ من يدَّعي الإيمان، ويجب على كلِّ من يزعم الإسلام، فيجعلُه نُصب عينه ليله ونهاره، لا يفارق خلده ما دام نبض الحياة يجري في أوصاله، لا يحيده عن هذا السبيل مهما تغيَّرت الأحوال وقد دالت دولة الكفر والطغيان، لأنَّ كلمة الله هي العليا مهما اشتدَّ الألم، وسنَّتَه هي المثلى مهما امتدَّ الأمل.
أيُّها الإخوة الأعزاء: لاشكَّ أنَّ كلَّ من تحدَّث عن الوحدة أو أراد أن يتحدَّث عنها لا يمكن له أن يخطو في مسالكها سربًا، أو ينحو في مقاسمها عجبًا إلاَّ مستأنسا بكلام الله الحكيم الحميد في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، على أن يكون موقنًا بنواميسه يقينه بحقيقة وجوده، ومؤمنا بقوانيه إيمانه بدقات فؤاده، ومصدِّقا باستحالة تغيُّر سننه تصديقه باستحالة تغيُّر جينات تكوينه، وإلاَّ طاش عنه سهم الهداية غاربا، وجاش فيه وهم الغواية حاربا، ولعلَّ هذا هو الأسُّ الأمكن الذي تولَّى عنه المسلمون، والجصُّ الأمتن الذي تخلَّى عنه المؤمنون، فكانوا ينظرون إلى آي القرآن الكريم نظر الشاكِّ في من أنزلها، ويفكِّرون في سنن الذكر الحكيم تفكير المستصغر لمن دوَّنها، وهذا الذي أرضي قبيل شانئيهم، وأشفى غليل مناوئيهم فجعلوا بينهم وبين القرآن حجابا مستورا، وقالوا لهم حجرا محجورًا، فاستكانوا إلى درب الهزيمة النفسية دهورا، وتولَّوا على أعقابهم دحورًا. فتمكنتهم الريبة، وغشيتهم الهزيمة، وولوا الأدبار، وانتزعتهم الأكدار، فضلوا فكانوا لا يهتدون سبيلا ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (1)
أيُّها السادة الأفاضل: إنَّ القرآن الكريم ليجسِّد الوحدة الإيمانية في أكمل صورها، وأنبل مشاعرها، وأفضل مظاهرها، وأجمل مثلها، في آيات رتيبة، وأفكار عجيبة، وحقائق قريبة، حتى أنَّ المتدبِّر المنصف لا يضلُّ الطريق إن هو ابتغى إلى الوحدة سبيلا، ولاشكَّ أنَّ السادة العلماء الربانيِّين ممَّن