مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وسائر المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٦٢

ثانيًا: الواقع العملي

إنَّ علماء الإسلام قديما وحديثا بقدر ما تحرَّوا في مسائل الدماء، وحذَّروا من مغبَّة التساهل فيها … إلاَّ أنَّ التطبيق العمليَّ صعُب في كثير من الأحيان الالتزام بذلك. ولا ريب أنَّ الواقع الذي نعيشه - منذ افتراق الأمَّة طرائق قددًا - من التكفير وما في معناه بين الفرق الإسلاميَّة أكبر شاهد، ولهذه الظاهرة أسبابها في تراثنا الإسلاميِّ. لا أريد أن أنكأ جراح الأمَّة باستعراض ما في المصادر الكلاميَّة من تبادل لِتُهَم التكفير بين المسلمين، فإنِّي أكتفي بالإشارة إلى بعض ما نجده فيها من مسائل وأحكام تكفيريَّة، بسبب خلافات كلاميَّة (4).

1 - أثر الخلافات الكلاميَّة في التكفير:

- من المسائل التي كانت سببا في التكفير: القول بإثبات خلق القرآن أو نفيه، ذمُّ أصحاب الحديث، رَدُّ شيء ممَّا جاء في كتاب شرح السُّنَّة للبربهاري، التأويل، الاشتغال بالمنطق …

- ومن الشَّخصيَّات والفِرَق التي مَسَّها هذا التكفير: الإمام أبو حنيفة، والحسين الكرابيسي (5)، وأحمد بن نصر الخزاعي (6)، وأبو مسهر (7)، ومحمَّد بن حبَّان البستي (8)، وأبو الوليد الباجي (9)، ولسان الدين ابن الخطيب (10)، والجهميَّة، والمعتزلة، والفلاسفة، والأشعريَّة، والصوفيَّة، والمرجئة، والرافضة، والقدريَّة …

- ومن الاتِّهامات الواردة في حقِّ بعضهم: نقض الإسلام عروة عروة، وأنَّهم أشدُّ على المسلمين من اللصوص، وأنَّ نيَّتهم إبطال القرآن والحديث،

(1). فيصل التفرقة، ص24. ومن ذَلِكَ اتِّهَام أبي عَمَّار المخطئين في التأويل بالكذب على الله، أو التكذيب بالصدق: ﴿فَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ (سورة الزمر: 32)؛ وبالتالي يسوغ الحكم عَلَيْهِم بالكفر. ينظر: أبو عَمَّار: الموجز، 2/ 262.

(2). حسب تصريح الغزالي، فقد كفَّرهم في إنكارهم حشر الأجساد، وفي إنكارهم العقوبات الحِسِّيَّة في الآخرة، وفي «أَنَّ الله لا يعلم إِلاَّ نفسه، وَأَنَّهُ لا يعلم إِلاَّ الكلِّيَّات»، فهذه عنده «أَوَّل درجات الزندقة»، وهي زندقة مقيَّدة لا مطلقة. ينظر: فيصل التفرقة، ص51 - 53. وأَمَّا حسب تعبير ابن رشد فقد كفَّرهم «في القول بقدم العالم، وبأنَّهُ تعالى لا يعلم الجزئيَّات تعالى عن ذلك، وفي تأويل ما جاء في حشر الأجساد وأحوال المعاد». فصل المقال، ص39

(3). وأرجع خطأه إمَّا إلى سوء فهم مقصود الفلاسفة، أو إلى الاختلاف في التسميات. ينظر: فصل المقال، ص39 - 45. تهافت التهافت، ص43، وفي أغلب الكتاب.

(4). ينظر: اللالكائي: اعتقاد أهل السُّنَّة، 2/ 227 - 329. ابن الصلاح: فتاوى ابن الصلاح، 1/ 210 - 211. ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ص 476 - 487. الشاطبي: الاعتصام، 2/ 343، 481 - 483. النشَّار: مناهج البحث، ص145 - 146. حسن المالكي: قراءة في كتب

٦٢ / ٢٣٨