مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وسائر المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٦١

وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (1). وممَّا لا شكَّ فيه أيضا أنَّ في القرآن الكريم ما هو ظنِّيُّ الدلالة. وكلُّ الفرق الإسلاميَّة تدَّعي اعتمادها على محكمات القرآن وتذر متشابهه، ويمكن أن تجد فيه - ولو بتكلُّف أحيانا - ما يؤيِّد وجهة نظرها. كما أنَّ في السنَّة ظنِّيُّ الثبوت أو الدلالة، أو كلاهما؛ وبالتالي فإنَّ الخلاف لن يُحسم.

والآية لم تَنُصَّ على أَنَّ التنازع يرتفع بالكلِّيَّةِ إذا تمَّ الرَّدُّ إلى الله والرسول (القرآن والسنَّة)؛ لأَنَّ الاختلاف في الفهم من سنن الله في البشر، وإنَّما نصَّت على أَنَّ ذلك خير وأحسن مرجعا ومصيرا؛ فإذا بحثنا في مسألة خلافيَّة، ووجدنا أَنَّ المخالف يستند فيها إلى القرآن والسنَّة عذرناه وإن لم نتَّفقْ معه في الرأي، وفي هذا خير عميم، ومآل قويم، وهو جمع الشمل، وتقبُّل رأي المسلم الآخر بقبول حسن.

وفيما يخصُّ أسماء الذمِّ فكثيرا ما يستند علماء الكلام إلى ظنِّيِّ الدلالة من القرآن أو على أحاديث آحاديَّة، وقد تكون ظنِّيَّة الدلالة أيضا، ويقومون بتنزيلها على الفرق المخالفة وآرائها؛ فيظنُّها غير المتخصِّص في الشريعة أقوالا لا تعقيب عليها؛ لأنها تستند على القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه. وهنا مكمن الخطر، فيرتفع الرأي والاجتهاد في فهم النصِّ الظنِّيِّ الثبوت أو الدلالة إلى مرتبة الوحي المقدَّس.

ب- اعتماد إلزامات ظنِّيَّة:

أقرَّ الإمام أبو حامد الغزاليُّ بأنَّ كلَّ فرقة ترمي الأخرى بتكذيب شيء ممَّا جاء به القرآن أو الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، إذ قال: « … لأَنَّ كُلَّ فرقة تكفِّر مخالفتها، وتنسبها إلى تكذيب الرَّسُول. فالحنبليُّ يكفِّر الأشعريَّ زاعما أَنَّهُ كذَّب

(1). سورة النساء: 59.

الرسول في إثبات الفوق لله تعالى [ … ] والأشعريُّ يكفِّره زاعما أَنَّهُ شبَّه وكذَّب الرسول [ … ] والأشعريُّ يكفِّر المعتزليَّ زاعما أَنَّهُ كذَّب الرسول في جواز رؤية الله تعالى [ … ] والمعتزليُّ يكفِّر الأشعريَّ زاعما أَنَّ إثبات الصفات تكثير للقدماء [ … ] ولا ينجِّيك من هذه الورطة إلاَّ أن تعرف حدَّ التكذيب والتصديق وحقيقتهما فيه؛ فينكشف لك غلوُّ هذه الفرق، وإسرافها في تكفير بعضها بعضًا» (1)؛ وما الجدال في أغلبه بين الفرق إلاَّ إلزامات!. وبالتالي نلاحظ أنَّ هذه الطريقة ليست دوما قطعيَّة؛ لأنَّها تُلزم الخصم بما لم يقله، وقد يُتأوَّل كلامه على غير مراده، وقد يُبتر من سياقه …

لذلك لا بدَّ من الابتعاد عن الإلزامات؛ لأنَّ أغلبها ظنِّيٌّ والغزاليُّ نفسه لم يسلم من الوقوع فيما عابه على غيره، إذ كفَّر الفلاسفة في ثلاث قضايا (2)، مع أَنَّهُم مؤوِّلون غير مكذِّبين، فجاء ابن رشد ليبيِّنَ أنَّه كان مخطئا في تكفيره، وأنَّهُ لم يكن قاطعًا فيه (3).

٦١ / ٢٣٨