مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وسائر المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٦٦

من الأشعريِّ، أَلِمُجرَّد السبق الزمنيِّ، فإن كان السبق مقياسا فقد سبق المعتزلةُ الأشعريَّ فلِمَ لَمْ يكونوا أَوْلى بالحقِّ منه؟ وإن رُخِّص في الخلاف للباقلاَّنيِّ فلِم يُحجَر على غيره؟ ولِمَ يَتعسَّف بعض المتعصِّبين في تبرير آرائه، ويعدُّونها من قبيل الخلاف اللفظيِّ، بينما يشدِّدون على المعتزلة في خلافهم للأشاعرة؟ (1).

وإذا كان هذا الطرح الراقي من الإمام الغزالي في حقِّ أهل السُّنَّة فحسب، فنحن نعمِّمه على سائر الفرق الإسلاميَّة. وقد سبَقَنَا الشيخُ البستي الزيدي إلى هذا التعميم، وإلى التماس الأعذار للفرق، فأغلب كتابه اعتذارات لمقالات الإسلاميِّين، ليصل في النهاية إلى أَنَّهَا لا تستلزم التكفير ولا التفسيق، واستوى في نقده للمكفِّرين والمفسِّقين السُّنِّيُّ والمعتزليُّ والشيعيُّ على حدٍّ سواء (2)، بأسلوب جدليٍّ رصين، ولكنَّ صوت أمثاله غير مسموع في أغلب التراث الإسلاميِّ مع الأسف!.

نودُّ لو أَنَّ المسلمين جميعا نظروا إلى علماء مخالفيهم مثلما ينظرون إلى علماء مذهبهم، بتقمُّص شَخصِيَّة المخالف، وبإيراد الآراء في سياقها الخطابيِّ، وعدم بترها، وبالنظر إليهَا نظرةً أشمل وأعدل ضمن منظومتها الفكريَّة، وبالتماس الأعذار مثلما يلتمسونها لأتباعهم؛ إذن لتجنَّبنا كثيرا من الانزلاقات والصدامات، وتبادل الاتِّهامات!.

3 - الاهتمام بالجزئيَّات على حساب الكلِّيَّات:

نبَّه جمال الدين القاسميُّ إلى مفارقة قد يتعجَّب منها كُلُّ متأمِّل، وهي أَنَّ الغلاة قد يهتمُّون بالخلافيَّات الفرعيَّة، فيضخِّمونها، ولا يدرؤون عن المخالفِ فيها حُكمَ التكفير أو القتل لوجود الشبهة، فقال: « … مع أنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، ونعني بالحدود ما نُصَّ عليه في الكتاب العزيز والسنَّةِ الغرَّاءِ، فإذا كانت في تلك المكانة وقد شرع فيها محاولة درئها بالشبهات، فكيف بحدود لا سند لها إلاَّ الاجتهاد، وليس لها أصلٌ قاطعٌ، ولا نصٌّ محكمٌ، فلا ريب أنَّها أولى بالدرء، وأجدر بالدفع، ولا يدري المرء ما الذي حملهم على نسيان هذه الموعظة حتَّى عكسوا القضيَّة، وأصبحوا يُكبِّرون الصغير، ويعظِّمون الحقير، ويهوِّلون الأمور، ويدعون بالويل والثبور، مِمَّا لا يقومون بِعُشُرِه للمنكرات المجمَع عليها، والكبائرِ التي يُجَاهَرُ بها، فلا حول ولا قُوَّة إِلاَّ بالله!» (3).

(1). ينظر: فيصل التفرقة، ص24 - 25.

(2). ينظر: البحث عن أَدِلَّة التكفير، في معظم الكتاب، ولاسيما نقده للشيعة، على سبيل المثال: من ص162 إلى آخر الكتاب ص231.

(3). جمال الدين القاسمي: الجرح والتعديل، ص47.

4 - دور السياسة والإعلام في نشر الفكر التكفيريِّ بين فرق الأُمَّة:

لنفترض أَنَّ الدولة العبَّاسيَّة لم تفرض على الناس اعتقاد خلق القرآن، ولم يكتوِ الإمام أحمد بنارها، ولم يتعاطف معه أنصار دافعوا باستماتة عن فكرته، فمن المؤكَّد أنَّ فكرة خلق القرآن، وهي فكرة

٦٦ / ٢٣٨