أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وسائر المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٦٧فلسفيَّة تجريديَّة بعيدة عن واقع الناس المعيش، سوف تبقى حبيسة الكتب ورفوف الخزائن، لا يعبأ بها إلاَّ أهل الاختصاص. أَمَا وقد حدث فيها ما حدث، فإنَّ الأحكام التي صدرت ضِدَّ المخالف كانت أقسى من كُلِّ التوقُّعات!. فقد جاءت رَدَّة الفعل من السلطة السِّياسيَّة مرَّة أخرى بحجَّة درء الفتنة لمناصرة نظريَّة قِدم القرآن، فاضطهدت القائلين بأنَّ القرآن مخلوق.
والإعلام اليوم ـ بشتَّى وسائله ـ مكَّن غيرَ المتأهِّلين وعوامَّ الناس من اقتحام حمى لا شأن لهم بها، فبعد أن كان علم الكلام خَاصًّا بالعلماء وطلبة العلم، وبعد أن كانت الألغام التكفيريَّة لأهل القبلة لا تعدو فئة قليلة، صارت اليوم قضيَّة «يشيع الحديث عنها، والجدل حولها، والتقاذف بها بين من لا يحسن الفقه لفروع العبادات والمعاملات، فضلا عن الفقه لدقيق الكلام في أصول الاعتقادات!!. بل لقد غدت (شهوة الشغب) فنًّا من الفنون التي يتبارى في عرض فصوله المتفرِّغون له، ويسعى لإدمان مشاهدته وتفريغ الغرائز الصراعيَّة في متابعته جمهور عريض من الناس» (1). ومسؤوليَّة ما ينجرُّ عن ذلك تعظُمُ بقدر إسهام كُلِّ متورِّط في نشر الفكر التكفيريِّ، سواء من رجال الإِعلام، أم حتَّى من العلماء الأَعلام.
كُلُّ هذا يقع فيه المسلمون مع أَنَّ لهم عوامل وحدة متعدِّدة، وهي: «1 - العقيدة. 2 - والشريعة. 3 - والحضارة. 4 - والأُمَّة. 5 - ودار الإسلام» (2). فعلى العلماء والإعلاميِّين التركيز على هذه الجوانب الجامعة، ما دامت في القلوب النوايا الحسنة؛ فهنالك من ينشر الفكر التكفيريَّ بدعوى تحصين أتباعه من الفكر المخالف، وبدعوى فضحه، وبيان خطورته. ولكنَّ هذا لا يشفع في درء تبعات هذا النشر؛ لأَنَّ من المقرَّر في مقاصد الشريعة أَنَّ درء المفاسد أولى من جلب المصالح، ولا بُدَّ من فقه الموازنات في مثل هذه الموضوعات.
وكلُّ هذا يقع بين موحِّدين يقرُّون كلُّهم بوعيد الله تعالى القطعيِّ في شأن قاتل المؤمن متعمِّدًا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (3).
(1). محَمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص84.
(2). المرجع نفسه، ص87.
(3). سورة النساء: 93.
ثالثًا: أسماء الذمِّ ومقاصد حفظ النفس والنسل والمال
إنَّ كلَّ متتبِّع لما في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الشريفة من نصوص يجدها قطعيَّة في النهي عن الاعتداء على النفس أو المال أو النسل، وترتِّب عليهما وعيدا شديدا، نذكر منها ما يأتي:
1 - قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا