لأسماء بن خارجة في كرم الخلق
الجزء ١ · صفحة ٦٤ويروى أن الحسن بن زيد لما ولي المدينة قال لابن هرمة: إني لست كمن باع لك دينه رجاء مدحك أو خوف ذمك قد أفادني الله بولادة نبيه الممادح، وجنبني المقابح وإن من حقه علي ألا أغضي على تقصير في حقه وأنا أقسم بالله، لئن أتيت بك سكران لأضربنك حدين: حدا للخمر، وحدا للسكر وأزيدن، لموضع حرمتك بي. فليكن تركها لله تعن عليه ولا تدعها للناس فتوكل إليهم. فنهض ابن هرمة وهو يقول:
نهاني ابن الرسول عن المدام … وأدبني بآداب الكرام
وقال لي اصطبر عنها ودعها … لخوف الله لا خوف الأنام
وكيف تصبري عنها وحبي … لها حب تمكن من عظامي
أرى طيب الحلال علي خبثاً … وطيب النفس في خبث الحرام
من كلام مطرف بن عبد الله
بن الشخير الحرشي
وقال الحسن لمطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي: يا مطرف، عظ أصحابك فقال مطرف: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل.
فقال الحسن : يرحمك الله وأينا يفعل ما يقول لود الشيطان أنه ظفر بهذه منكم فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه عن منكر.
وقال مطرف بن عبد الله لابنه: يا عبد الله، العلم أفضل من العمل، والحسنة بين السيئتين وشر السير الحقحقة.
قوله: " الحسنة بين السيئتين " .، يقول: الحق بين فعل المقصر والغالي. ومن كلامهم: خير الأمور أوسطها.
قوله: " وشر السير الحقحقة " وهو أن يستفرغ المسافر جهد ظهره فيقطعه، فيهلك ظهره، ولا يبلغ حاجته. يقال: حقحق السير إذا فعل ذلك . وقال الراجز:
وأنبت فعل السائر المحقحق
وحدثت أن الحسن نفى سابق الحاج وقد أسرع، فجعل يومىء إليه بإصبعه فعل الغازلة وهو يقول: " خرقاء وجدت صوفاً " .
وهذا مثل من أمثال العرب يضربونه للرجل الأحمق الذي يجد مالاً كثيراً فيعيث فيه وشبيه بهذا المثل قوله: " عبد وخلى في يديه " .
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهراً أبقى " .
قوله: " متين " ، المتين الشديد، قال الله عز وجل: " وأنلى لهم إن كيدى متين " الأعراف: 183.
وقوله: " فأوغل فيه برفق " ، يقول: ادخل فيه، هذا أصل الوغول، ويقال مشتقاً من هذا الرجل الذي يأتي شراب القوم من غير أن يدعى إليه: واغل، ومعناه أنه وغل في القوم وليس منهم، قال امرؤ القيس:
حلت لي الخمر وكنت امرأ … عن شربها في شغل شاغل
فاليوم أسقى غير مستحقب … إثماً من الله ولا واغل
والمنبت: مثل المحقحق، واشتقاقه من الانقطاع، يقال: انبت فلان من فلان أي انقطع منه، وبت الله ما بينهم، أي قطع، قال محمد بن نمير:
تواعد للبين الخليط لينبتوا … وقالوا لراعي الذود: موعدك السبت
وفي النفس حاجات إليهم كثيرة … وموعدها في السبت لو قد دنا الوقت
ويروى:
ألا قرب الحي الجمال لينبتوا
وحدثت أن ابن السماك كان يقول: إذا فعلت الحسنة فافرح بها واستقللها فإنك إذا استقللتها زدت عليها، وإذا فرحت بها عدت إليها.
ويروى عن أويسٍ القرني أنه قال: إن حقوق الله لم تترك عند مسلم درهماًٍ.
باب
يزيد بن هبيرة ينصح المنصور
ودخل يزيد بن عمر بن هبيرة على أمير المؤمنين المنصور فقال: يا أمير المؤمنين، توسع توسعاً قرشياً، ولا تضق ضيقاً حجازياً.
ويروى أنه دخل عليه يوماً فقال له المنصور: حدثنا، فقال : يا أمير المؤمنين، إن سلطانكم حديث، وإمارتكم جديدة، فأذيقوا الناس حلاوة عدلها، وجنبوهم مرارة جورها. فوالله ياأمير المؤمنين لقد محضت لك النصيحة.
ثم نهض معه سبعمائة من قيس، فأتأره المنصور بصره، ثم قال: لا يعز ملك يكون فيه مثل هذا. قوله: " محضت لك النصيحة " يقول: أخلصت لك، وأصل هذا من اللبن، والمحض منه: الخالص الذي لا يشوبه شيء، وأنشد الأصمعي:
امتحضا وسقياني ضيحا … وقد كفيت صاحبي الميحا
ويقال: حسب محض.
وقوله: " أتاره بصره " يقول: أتبعه بصره، وحدد إليه النظر، وأنشد الأصمعي:
مازلت أرمقهم والآل يرفعهم … حتى اسمدر بطرف العين إتآري
لأسماء بن خارجة في كرم الخلق