لرجل يذكر ابنه
الجزء ١ · صفحة ٦٧وقوله: " قبل القذاف " يريد المقاذفة، وهذه تكون من اثنين فما فوقهما، نحو المقاتلة والمشاتمة، فباب " فاعلت " إنما هو للاثنين فصاعداً، نحو قاتلت وضاربت، وقد تكون الألف زائدة في فاعلت فتبنى للواحد، كما زيدت الهمزة أولاٌ في " أفعلت " فتكون للواحد، نحو عاقبت اللص، وعافاه الله، وطارقت نعلي.
وقوله: " وصاحب الغار " ، يعني أبا بكر رحمه الله، لمصاحبته النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، وهذا مشهور لايحتاج إلى تفسيره .
وطلحة بن عبيد الله نسبه إلى الجود لأنه كان من أجود قريش. وحدثني التوزي قال: كان يقال لطلحة بن عبيد الله: طلحة الطلحات، وطلحة الخير، وطلحة الجود. وذكر التوزي عن الأصمعي أنه باع ضيعةٌ له بخمسة عشر ألف درهم، فقسمها في الأطباق. وفي بعض الحديث أنه منعه أن يخرج إلى المسجد أن له بين ثوبين.
وحدثني العتبي في إسناد ذكره قال: دعا طلحة بن عبيد الله أبا بكر وعمر وعثمان رحمة الله عليهم، فأبطأ عنه الغلام بشيء أراده، فقال طلحة: يا غلام، فقال الغلام: لبيك فقال طلحة: لا لبيك فقال أبو بكر: ما يسرني أني قلتها وأن لي الدنيا وما فيها. وقال عمر: ما يسرني أني قلتها ولي نصف الدنيا. قال عثمان: ما يسرني أني قلتها وأن لي حمر النعم قال: وصمت عليها أبو محمد، فلما خرجوا من عنده باع ضيعةً بخمسة عش ألف درهم، فتصدق بثمنها .
وقوله :
يظل منها صحيح القوم كالمودي
فالمودي في هذا الموضع الهالك، وللمودي موضع آخر يكون فيه القوي الجاد، حدثني بذلك التوزي في كتاب الأضداد، وأنشدني:
مودون السبيل السابلا
لرجل من العرب يرثي
وقال رجل من العرب :
خليلي عوجا بارك الله فيكما … على قبر أهبان سقته الرواعد
فذاك الفتى كل الفتى كان بينه … وبين المزجى نفنف متباعد
إذا نازع القوم الأحاديث لم يكن … عيياٌ ولا عبئاٌ على من يقاعد
قوله: " على قبر أهبان " فهذا اسم علم كزيد وعمرو، واشتقاقه من وهب يهب، وهمز الواو لانضمامها، كقوله عز وجل: " وإذا الرسل أقتت " المرسلات 11 فهو " فعلت " ، من الوقت . وقد مضى همز الواو إذا انضمت. وهو لاينصرف في المعرفة وينصرف في النكرة، وكل شيء ينصرف فصرفه في الشعر جائز، لأن أصله كان الصرف، فلما احتيج إليه رد إلى أصله، فهذا قول البصريين. وزعم قوم أن كل شيء لاينصرف فصرفه في الشعر جائز، إلا " أفعل " الذي معه " منك " ، نحو : أفضل منك، وأكرم منك . وزعم الخليل وعليه أصحابه أن هذا إذا كانت معه " منك " بمنزلة " أحمر " لأنه إنما كمل أن يكون نعتاٌ " منك " ، وأحمر لا يحتاج إليها، مع " منك " بمنزلة " أحمر " وحده، قال: والدليل على أن " منك " ليست بمانعته من الصرف أنه زال عن بناء " أفعل " انصرف، نحو قولك: مررت بخير منك، وشر منك، فلو كانت " منك " هي المانعة لمنعت هنا،فهذا قول بين جداٌ .
وقوله : " المزجى " ، فهو الضعيف: يقال: زجى فلان حاجتي :أي خف عليه تعجيلها، والمزجاة من البضائع : اليسيرة الخفيفة المحمل. والنفنف وجمعها النفانف :كل ما كان بين شيئين عالٍ ومنخفض، قال ذو الرمة:
في نفنف يتطوح " .
وقوله: " ولا عبئاٌ على من يقاعد " ، فالعبء: الثقل، يقال حمل عبئاٌ ثقيلاٌ، ووكده بقوله: " ثقيلاٌ " ، ولو لم يقله لم يحتج إليه
لرجل يذكر ابنه
وقال آخر يذكر ابنه:
ألايا سمية شبي الوقودا … لعل الليالي تؤدي يزيدا
فنفسي فداؤك من غائب … إذا ما المسارح كانت جليدا
كفاني الذي كنت أسعى له … فصار أباٌ لي وصرت الوليدا
قوله : " شبي " ، يقال: شببت النار والحرب إذا أوقدتهما، يقال: شب يشب شباٌ، قال الأعشى:
تشب لمقرورين يصطليانها … وبات على النار الندى والمحلق
وقوله:
ذا ما المسارح كانت جليدا
فالمسارح الطرق التي يسرحون فيها، واحدها مسرح، والجليد يقع من السماء، وهو ندى فيه جمود، فتبيض له الأرض، وهو دون الثلج، يقال له: الجليد، والضريب، والسقيط، والصقيع.
وقالو في قوله:
رجلا عقاب يوم دجن تضرب
أي يصيبها الضريب .