الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

نبذ من أقوال الحكماء

الجزء ١ · صفحة ٧٠

وحدثني العباس بن الفرج في إسناد ذكره قال: نظرإلى عمرو بن العاص على بغلةٍ قد شمط وجهها هرماً، فقيل له: أتركب هذه وأنت على أكرم ناخرةٍ بمصر فقال: لا ملل عندي لدابتي ما حملت رجلي، ولا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديقي ما حفظ سري، إن الملل من كواذب الأخلاق.

قوله: " على أكرم ناخرة " يريد الخيل، يقال للواحد ناخر، وقيل : ناخرة يراد جماعة، كما تقول: رجل بغال وحمار، والجماعة البغالة والحمارة، وكذلك تقول: أتتني عصبة نبيلة، وقبيلة شريفة، والواحد نبيل وشريف.

مشاورة معاوية عمرو بن العاص

في أمر عبد الله بن هاشم بن عتبة وشاور معاوية عمراً في أمر عبد الله بن هاشم بن عتبة بن مالك بن أبي وقاص وكان هاشم بن عتبة أحد فرسان علي رحمه الله فإتي بابنه معاوية، فشاور عمراً فيه، فقال،أرى أن تقتله، فقال له معاوية: إني لم أر في العفو إلا خيراً، فمضى عمرو مغضباً، وكتب إليه:

أمرتك أمراً حازماً فعصيتني … وكان من التوفيق قتل ابن هاشم

أليس أبوه يا معاوية الذي … أعان علياً يوم حز الغلاصم

فقتلنا حتى جرى من دمائنا … بصفين أمثال البحور الخضارم

وهذا ابنه، والمرء يشبه عيصه … ويوشك أن تلفى به جد نادم

فبعث معاوية بأبياته إلى عبد الله بن هاشم، فكتب إليه عبد الله بن هاشم:

معاوية إن المرء عمراً أبت له … ضغينه خب غشها غير نائم

يرى لك قتلي يا ابن هند وإنما … يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم

على أنهم لا يقتلون أسيرهم … إذا كان منه بيعة للمسالم

فإن تعف عني تعف عن ذي قرابةٍ … وإن تر قتلي تستحل محارمي

فصفح عنه.

من كلام عمرو بن العاص لعائشة

وقال عمرو لعائشة رحمة الله عليهما : لوددت أنك كنت قتلت يوم الجمل فقالت: ولم لا أبا لك فقال : كنت تموتين بأجلك، وتدخلين الجنة، ونجعلك أكبر التشنيع على علي.

ما قاله عمرو بن العاص حين احتضر

وحدثني العباس بن الفرج الرياشي في إسنادٍ ذكره، آخره " ابن عباس " قال : دخلت على عمرو بن العاص وقد احتضر، فدخل عليه عبد الله بن عمرو فقال له: يا عبد الله، خذ ذلك الصندوق، فقال : لا حاجة لي فيه، قال إنه مملوء مالاً، قال: لا حاجة لي به، فقال عمرو: ليته مملوء بعراً قال: فقلت: يا أبا عبد الله، إنك كنت تقول: أشتهي أن أرى عاقلاً يموت حتى أسأله كيف يجد فكيف تجدك قال: أجد السماء كأنها مطبقة على الأرض وأنا بينهما، وأراني كأنما أتنفس من خرت إبرةٍ، ثم قال: اللهم خذ مني حتى ترضى. ثم رفع يديه فقالت: اللهم أمرت فعصينا، ونهيت فركبنا فلا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم فاظ.

وقد روينا هذا الخبر من غير ناحية الرياشي بأتم من هذا، ولكن اقتصرنا على هذا لثقة إسناده.

قوله: " من خرت إبرة " ، يعني من ثقب إبرةٍ، يقال للدليل: خريت. وزعم الأصمعي أنه أريد به أنه يهتدي لمثل خرت الإبرة.

وقوله: " فاظ " أي مات، يقال : فاظ، وفاد، وفطس، وفاز، وفوز، كل ذلك في معنى الموت، ولا يقال : بالضاد إلا للإناء، قال رؤية:

لا يدفنون منهم من فاظا

وقال ابن جريج: " أما رأيت الميت حين فوظه " .

ومن قال ذلك للنفس قال: فاضت نفسه، يشببها بالأناء.

وحدثني أبو عثمان المازني أحسبه عن أبي زيد قال: كل العرب يقولون: فاضت نفسه إلا بني ضبة فإنهم يقولون: فاظت نفسه، وإنما الكلام الصحيح فاظ بالظاء إذا مات.

وفي الحديث أن امرأة سلام بن أبي الحقيق قالت: فاظ، وإله يهود.

نبذ من أقوال الحكماء

وحدثني مسعود بن بشر قال: قال زياد: الإمرة تذهب الحفيظة، وقد كانت من قوم إلي هنات جعلتها تحت قدمي، ودبر أذني، فلو بلغني أن أحدكم قد أخذه السل من بغضي ما هتكت له ستراً ولا كشفت له قناعاً حتى يبدي لي عن صفحته، فإذا فعل لم أناظره.

وسمع زياد رجلاً يسب الزمان فقال: لو كان يدري ما الزمان لضربت عنقه، إن الزمان هو السلطان.

وفي عهد أزدشير: وقد قال الأولون منا: عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان.

٧٠ / ٣٣٦