الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

للفرزدق يرثي ابني مسمع

الجزء ١ · صفحة ٥٧

وقوله: " إلى الله أشكو عجري وبجري " ، يقول: ما أسر من أمري. قال الأصمعي: هو قول سائرٌ. في أمثال العرب: " لقي فلانٌ فلاناً فأبثه عجره وبجره " .

مما قيل في الشباب والهرم

وقال النمر بن تولب :

تدارك ما قبل الشباب وبعده … حوادث أيام تمر و أغفل

يسرالفتى طول السلامة والبقا … فكيف يرى طول السلامة يفعل

يرد الفتى اعتدال وصحةٍ … بنوء إذا رام القيام ويحمل

قصر " البقاء " ضرورة، وللشاعر إذا اضطر أن يقصر المدود، وليس له أن يمد المقصور، وذلك أن الممدود قبل آخره ألف زائدة، فإذا احتاج حذفها لأنها ألف زائدة، فإذا حذفها رد الشيء إلى أصله، ولو مد المقصور لكان زائداً في الشيء ما ليس منه، قال الشاعر وهو يزيد بن عمرو بن الصعق:

فرغتم لتمرين السياط وأنتم … يشن عليكم بالفنا كل مربع

فقصر " الفناء " وهو ممدود. وقال الطرماح:

وأخرج أمه لسواس سلمى … لمعفور الضرا ضرم الجنين

قوله: " وأخرج " ، يعني رماداً، والأخرج الذي في لونه سواد وبياض، يقال: نعامة خرجاء.

وقوله: " لسواس سلمى " ، فإن أجأ وسلمى جبلاً طيئ، وسواس سلمى:الموضع الذي بحضرة سلمى، يقال: هذا من سواس فلان ومن توس فلان: أي من طبعه. وأمه: يعني الشجرة التي هي أصله.

وقوله " لمعفور الضرا " : فالضراء: ما واراك من شجرة خاصةً، والخمر ما واراك من شيء.

والمعفور: يعني ما سقط من النار من الزند.

وقوله: " ضرم الجنين " يقول مشتعلٌ، والجنين: ما لم يظهر بعد، يقال للقبر جنن، والجنين: الذي في بطن أمه، والمجن: الترس لأنه يستر، والمجنون: المغطى العقل، وسمي الجن جناً لاختفائهم، وتسمى الدروع الجنن لأنها تستر من كان فيها. وقصر " الضراء " وهو ممدود، ومثل هذا كثير في الشعر جداً.

وقوله: " ينوء إذا رام القيام " ، يقول: ينهض في تثاقلٍ، قال الله عز وجل: " ما إن مفاتحه للدرأ بالعصبة " القصص76 والمعنى أن العصبة تنوء بالمفاتح، ولشرح هذا موضع آخر.

وقال آخر:

أنوء ثلاثاً بعدهن قيامي

ويروى عن رسول اله صلى الله عليه وسلم أنه قال " كفى بالسلامة داءً " . وقال حميد بن ثور الهلالي :

أرى بصري قد رابني بعد صحةٍ … وحسبك داءً أن تصح وتسلما

ولا يلبث العصران يومٌ وليلةٌ … إذا طلبا أن يدركا ما تيمما

وقال أبو حية النميري:

ألا حي من أجل الحبيب المغانيا … لبسن البلى مما لبسن اللياليا

إذا ما تقاضى المرء يومٌ وليلةٌ … تقاضاه شيءٌ لا يمل التقاضيا

وقال بعض شعراء الجاهلية:

كانت قناتي لا تلين لغامر … فألانها الإصباح و الإمساء

ودعوت ربي في السلامة جاهداً … ليصحني، فإذا السلامة داء

وقال عنترة بن شداد:

فما أوهى مراس الحرب ركني … ولكن ما تقادم من زماني

ومن أمثال العرب إذا طال عمر الرجل أن يقولوا: " لقد أكل الدهر عليه وشرب " ، إنما يريدون أنه أكل هو وشرب دهراً طويلاً، قال الجعدي:

أكل الدهر عليهم وشرب

والعرب تقول: نهارك صائم، وليلك قائم، أي أنت قائم في هذا وصائم في ذاك،كما قال الله عز وجل : " بل مكر الليل والنهار " سبأ 33 والمعنى والله أعلم، بل مكركم في الليل والنهار، وقال جرير:

لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى … ونمت، وما ليل المطي بنائم

للفرزدق يرثي ابني مسمع

وقال الفرزدق:

تبكي على المنتوف بكر بن وائلٍ … وتنهى عن ابني مسمع من بكاهما!

غلامان شبا في الحروب وأدركا … كرام المساعي قبل وصل لحاهما

وابنا مسمع كان قتلهما معاوية بن يزيد بن الملهب مع عدي بن أرطاة لما أتاه خبر قتل أبيه، وكان ابنا مسمع ممن خالف على يزيد بن الملهب. والمنتوف كان مولى لبني قيس بن ثعلبة بن عكابة. وابنا مسمع من بني قيس بن ثعلبة، وكان المنتوف كالخليفة ليزيد بن الملهب، وفي ذلك يقول جرير:

والأزد قد جعلوا المنتوف قائدهم … فقتلتهم جنود الله وانتتفوا

وتمام شعر الفرزدق:

ولو قتلا من جذم بكر بن وائل … لكان على الناعي شديداً بكاهما

٥٧ / ٣٣٦