للفرزدق يرثي ابنيه
الجزء ١ · صفحة ٥٨ولو كان حياً مالكٌ وابن مالكٍ … إذا أوقدا نارين يعلو سناهما
السنا: ضوء النار، وهو مقصور، قال الله عز وجل: " يكاد سنا برقة يذهب بالأبصار " النور 43 والسناء من الشرف، ممدود، قال حسان بن ثابت:
وإنك خير عثمان بن عمرٍو … وأسناها إذا ذكر السناء
والبكاء يمد ويقصر، فمن مد فإنما جعله كسائر الأصوات، ولايكون المصدر في معنى الصوت مضموم الأول إلا ممدوداً، لأنه يكون على " فعالٍ " وقلما يكون المصدر على " فعلٍ " ، وقد جاء في حروف: نحو: الهدى والسرى وما أشبهه، وهو يسير، فأما الممدود فنحو: العواء، والدعاء. والرغاء، والثغاء، فكذلك البكاء، ونظيره من الصحيح الصراخ والنباح، ومن قصر فإنما جعل البكاء كالحزن، وقد قال حسان، فقصر ومد:
بكت عيني وحق لها بكاها … وما يغنى البكاء ولا العويل
لجرير يرثي ابنه سوادة
وقال جرير:
قالوا نصيبك من أجرٍ فقلت لهم … كيف العزاء وقد فارقت أشبالي
هذا سوادة يجلو مقلتي لحمٍ … بازٍ يصرصر فوق المرقب العالي
فارقته حين غض الدهر من بصري … وحين صرت كعظم الرمة البالي
قوله: " يجلو مقلتي لحم " ، شبه مقلتيه بمقلتي البازي، ويقال: " طائر لحم " من هذا. وقوله: " يصرصر " يعني يصوت، يقال:صرصر البازي والصقر، وما كان من سباع الطير، ويقال: صرصر العصفور: وأحسبه مستعاراً. لأن الأصل فيه أن يستعمل في الجوارح من الطير، قال جرير:
بازٍ يصرصر بالسهبى قطاً جونا
وقال آخر:
كما صرصر العصفور في الرطب الثعد
وأنشدني عمارة: " باز يصعصع " وهو أصح قال أبو الحسن: " يصعصع " وهو الصواب، ولكن هكذا وقع في كتابه. ويصرصر لايتعدى . قال أبو العباس: وقوله: " كعظم الرمة " فهي البالية الذاهبة، والرميم: مشتق من الرمة، وإنما هو فعيلٌ وفعلةٌ، وليس بجمع له واحد.
ومما كفرت به الفقهاء الحجاج بن يوسف قوله: والناس يطوفون بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنبره وإن شئت قلت: " يطيفون " ، قال أبو زيد: تقول العرب: طفت وأطفت به، ودرت وأدرت به، ويقال: حدق وأحدق: قال الأخطل:
المنعمون بنو حربٍ وقد حدقت … بي المنية واستبطأت أنصاري
إنما يطوفون بأعوادٍ ورمةٍ.
ومن أمثال العرب: " لولا أن تضيع الفتيان الذمة، لخبرتها بما تجد الإبل في الرمة " .، يقول: لولا أن تدع الأحداث التمسك بالوفاء، والرعاية للحرمة لأعلمتها أن الإبل تتناول العظم البالي، وهو أقل الأشياء فتجد له لذة.
ومثل بيت جرير الأخير قول أبي الشغب يرثي ابنه شغباً:
قد كان شغبٌ لو ان الله عمره … عزاً تزداد به في عزها مضر
ليت الجبال تداعت قبل مصرعه … دكاً فلم يبق من أحجارها حجر
فارقت شغباً وقد قوست من كبرٍ … بئس الحليفان: طول الحزن والكبر
قوله: " قوست " يقول: انحنيت كالقوس، قال امرؤ القيس:
أراهن لايحببن من قل ماله … ولا من رأيت الشيب فيه، وقوسا
لسليمان بن قتة يرثي الحسين بن علي
وقال سليمان بن قتة يرثي الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام:
مررت على أبيات آل محمدٍ … فلم أرها كعهدها يوم حلت
فلا يبعد الله الديار وأهلها … وإن أصبحت من أهلها قد تخلت
وكانوا رجاءً ثم صاروا رزيةً … فقد عظمت تلك الرزايا وجلت
وإن قتيل الطف من آل هاشمٍ … أذل رقاب المسلمين فذلت
وعند غني قطرةٌ من دمائنا … سنجزيهم يوماً بها حيث حلت
إذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها … و تقتلنا قيسٌ إذا النعل زلت
وسليمان بن قتة رجل من بني تميم بن مرة بن كعب بن لؤي، وكان منقطعاً إلى بني هاشمٍ
للفرزدق يرثي ابنيه
وقال الفرزدق يرثي ابنيه:
بفي الشامتين الترب أن كان مسني … رزية شبلي مخدرٍ في الضراغم
وما أحدٌ كان المنايا وراءه … ولو عاش أياماً طوالا بسالم
أرى كل حي ما تزال طليعةً … عليه المنايا من ثنايا المخارم