محمد بن سالم الحارثي - رثاء الشيخ سالم الحارثي
الجزء ١ · صفحة ٣٤قصيدة في رثاء العلامة الجليل المحقق سالم بن حمد بن سليمان الحارثي رضي الله عنه نظم الأستاذ الجليل الشيخ محمد بن الشيخ المجاهد سالم بن عبدالله الحارثي - حفظه الله -:
فاض شِعري وشاب للهول شَعري:: ودموعي من المحاجر تجري
ضاق صدري من البلاء وفكري:: طاش من نازل القضاء الأمرِ
وفؤادي وخافقي وكياني:: وحناياي في إلتياع وأسرِ
كل شيء أراه أمسى ظلاماً:: دامساً حال ليلي المكُفهرِّ
نوبٌ تضرم النفوس وخطبٌ:: ينخر الصم من جلاميد زعرِ
وهموم تعدت الحدَّ شوطاً:: تدع العقل في إنقباض وحيرِ
وصنوفٌ من الهوان ترينا:: كل يوم من الأسى ما يفري
ومأسٍ تموج كالبحر ترمي:: غصص الحزن في القلوب وتبري
بينما المرء في رغيد من العيش:: وفي بسطة الزمان وخير
ونعيم من الكريم مقيم:: ورخاء على الدهور ويسر
إذ دهاه من الفنا ما دهاه:: فأرتمى جثة وحيداً بقبر
ولقد كان يأمن الخلد دهراً:: فإذا ذلك الرجا وهم غِرِ
ومناد ينادي في كل وقت:: قائلا وهو غافلٌ ليس يدري
أي هذا المغرور حتام تجري:: لسراب بقيعة دون فكر
كيف لم تهدك السنون وهذا:: الشيب في عارضيك أبلغُ نذر
كيف لم تدكّر ومرّ الليالي:: كل يوم يريك أيات حشر
ومصابٌ يجيء إثّر مصاب:: عند عمر يمر من بعد عمرِ
وكتاب التاريخ يسطر رقماً:: لشعوب قضت إلى غير حورِ
أمم تعبر الصراط سريعاً:: وشخوص وأبطن دون ظهر
وجيوش أسالت الأرض رعباً:: بين كرٍّ على العداة وفرِ
وديارٌ زهت مضت وتولت:: أثراً بعد عين نجد وغور
والحضارات أين ما خلفته:: أين أين الملوك في كل شبر
أين من عربدوا وجاروا طواهم:: ملك الموت بعد بسط ونشر
أين كسرى المليك في رهبوت:: ورجال أشاوس عدّ ذرِّ
أين رب الأحباش ماذا دهاه:: صامتاً لا يبين من غير حصر
أين ذو الروم قيصر في جلاد:: ودهاء وحيزبون وأزر
أين عنها أولاء تبع هلاّ:: تبع الملك خالداً طول دهر
أين إسكندر الكبير وذو القرنين ما حكم ذين في كل قطر
أين جنكيز المغولي ألفى:: حتفه بعد فتحه المستمر
أين سيف وسيفه ومضاه:: أين ما شاده لبدو وحضر
أين عادٌ وأين أين ثمود:: لا أراهم وأين فرعون مصر
غالهم كلهم ولست أحاشي:: أحدا منهم المنون لأمر
ولأمرٍ وحكمة قد دهاني:: ورماني بفاجع الفقد دهري
نبأ هيج البلاد عشياً:: فأستجارت لصرخة ولزفر
حسرة تمزع الضلوع ونوحاً:: يترك الخلق في شقاء وعسر
فالبرية في إهتياج وذعرٍ:: منه والأرض في نواح وجأر
والسماوات فوق رأسي بكاءٌ:: وعويل ولوعة دون نكر
مأتم دونه المأتم فيها:: وعزاء يجلّ عن وصف غمرِ
وأسى يملأ الصدور وحزنٌ:: دونه الحزن أه لو كنت تدري
ولقد صرت والمصيبة عظمى:: ككهام مفلل الحد صفر
سادراً لا أبين من فرط حالي:: تائها في مهامه الجهل أجري
فكأني قد ساورتني من الرقش:: عضاة بسمها المستحرِ
وكأني غذيت داءً عضالا:: يترك القادرين هلكى بأورِ
وكأني سطحت في غيل الموت:: وجرّعت كأسه دون نكرِ
كلما أشتدّ ذا البلاء أراني:: مار صدري وعيل يا صاح صبري
وأراني وقد تبليت منه:: غرض للسهام ملقى بجمرِ
ضعف جسمي وشدتي ونحولي:: وهواني على الأناس وصغري
واشتغالي بعلتي فوق ما بي:: من إياس ومحنةٍ بعد قهرِ
واصطلائي بنار فقد ويتم:: واكتوائي بجهلي المستمرِ
أترى حالتي تحمل فقدي:: بعد هذا لعمدتي زهو دهري
لإمامي وحجتي وملاذي:: لمعين العلوم مرجع عصري
للذي كان عدتي وعتادي:: في لقائي وكان مأمن سرّي
للذي كان مفزعي إذ دهتني:: حادثات الزمان ترمي بشرِّ
للذي كان وجهتي وبلاغي:: ورجائي وأسوتي في مقري
للذي كان كعبة في طوافي:: لطلاب العلوم من كل بحرِ
للذي كان قمة في عطاء:: بين مد الفيوض تهمي وجزرِ
للذي كان أية في تجلي:: للورى بان دون حجب وسترِ
مخلصاً للإله في كل أمر:: موقناً بالثواب من خير ذخرِ
سالم الدين والدنا ذي المعالي:: حارثيٍ غطمطم الفضل ذمرِ
عيطموس اللقاء حفيد سليمان:: المرجى لكشف سوءي وضيري
وفتى باسط اليدين أبي الجود:: أمير الإحسان شأبون قطر
حمد الحمد والندى والتصافي:: والهدى والوفى وبذل وبشر
خطبه الخطب والخطوب سواه:: جلل دونه فذا الخطب يزري
ولأن المصاب شيءٌ عظيم:: صعق الناس منه في كل قطر
موت ذي العلم ثلمة وإخترام:: وهو النقص في التفاسير يجري
كيف لا والوجود بالعلم يحيى:: وبه تنعم الحياة لحشرِ
وبه يدرك الكمال إذا ما:: صدق الطالب الملحُّ بأمر
وبه يينع القطاف ويدنو:: مجتناه لنائل بعد صبرِ
وبه يكرم العبادُ وبالعلم يعزّ:: المجاهدون بنصر
ولقد جاء في الأحاديث أن:: العلم لله خشيةٌ صاح فأدر
كالتسابيح درسه وجهادٌ:: بحث من غاص في العلوم لقعر
طالبُ العلم عابد فإذا ما:: بذل العلم للذي ليس يدري
زاده ذاك رفعة وأجوراً:: من معين العطاء في خير ذخر
وهو الصاحب الأنيس يسري:: عن غريب وعن وحيد بقفر
وإمام العقول يتبعه الفعل:: وروح الحياة في الكون تسري
والمنار الذي يقود البرايا:: لرضى الرب في فراديس طهر
يرفع الله بالعلوم أناساً:: هم مصابيحها الهداة لخير
وتقصّ الأثار عنهم وتروى:: رغم بعد الزمان في كل عصرِ
نظرٌ منهم يعد صياما:: وقياما ترداده عند حبر
فإذا مات من به يعرف الله:: تعالى ففجعة دون نكر
وعظيم يهون كل عظيم:: عنده لأجل لأنه بعض حشر
أه لو تعلمون ماذا دهاني:: أنا في حيرة وتشتات أمرِ
أنا في أبحر المأسي غريق:: طالبٌ للنجاة في لجّ بحر
أنا في قبضة الهموم أسيرٌ:: حيلتي في سجون بؤسي شعري
وأنادي بملّ فيَّ وحالي:: ما علمتم وليس لي من مفرِ
ناعيَّ المذهب الإباضي مهلاً:: أي نعيّ نعيت أم أي خُبرِ
قد نعيت الأقمار يجلو ضياها:: كل ران على القلوب وشرِ
ونعيت الشموس بددت الليل:: بنور العلوم في كل شبر
ونعيت السماء قبة ذي الكون:: تحوط الحياة حفظاً لحشر
ونعيت الجبال وهي رواسٍ:: تحفظ الأرض أن تميد وتجري
ونعيت النجوم تهدي الحيارى:: إن دجى الليل دامساً دون فجر
ونعيت البحار تزخر بالخير:: تمد الموجود مداً بمثر
ونعيت الحياة في العصر هذا:: بل نعيت الحياة في كل عصرِ
نعيك الحارثيَّ أكبرُ نعيٍّ:: من جميع الذي ذكرت بشعري
حسبي الله من بلاء ممضٍ:: يترك المرء في إنزعاج وذعرِ
حسبي الله من مصيبة أرضٍ:: كان فيها الملاذ من كل شرِّ
كان كهف اليتيم إن غاضب الدهر:: ومأوى الطريد من كل ضر
كان ردءاً إذا اطلخمت نحوس:: وإذا اشتدت البلايا بقفرِ
وغياثاً للمستغيثي وملجاً:: ونجاة وموئلا دون شجر
وصباحا للأملين إذا ما:: طبّق الليل بالظلامات يغري
وإذا اعلنكست خطوب ونارت:: محن تجعل اللبيب بحير
شامخاً ماضياً رضياً أبياً:: رافع الرأس في جلالات قدرِ
لم يطأطئه إذن ما هو عليٌّ:: وعليُّ الأباء يعلو بظهرِ
وإذا العلم كان حصناً حصيناً:: وإذا الذكر كان أشرف وفر
فمن العادي أن تراه رفيعاً:: ينطح النجم روقه دون كسرِ
جدّ في ذي الحياة يبغي رضاه:: فأستوى منه مالكاً كل أمر
سار والدين سيرة لا تبارى:: محضته فيوض علم وسرِّ
إن دجى ليله فبين سجود:: وركوع وبين نجوى وذكر
همهمات وأدمع تملأ الخدّ:: ورجوى وغمرة الحزن تجري
ودعاءٌ يمور في ظلم الليل:: وشكوى وصدعة القلب تسري
أو بدى الصبح مؤذنا فصيامٌ:: وقيام وهمة وتجري
وإنكباب على العلوم وبحثٌ:: دائم واستفادة وتحري
وتفان وحكمة واتزان:: ومضاءٌ وشدة بعد سبرِ
إيه والله وانقطاع مع الله:: وبعد عن القبيح ونُكرِ
الصعاب الصلاب تبدو لديه:: سنة والشداد تقضى بيسر
والمعالي ينالها بيديه:: والعوالي قطافه حين يقري
وحواليه عسكر من معاني:: ورثتها الأباء تدعو لفخر
ولدته أصيلة الطهر زاكٍ:: لم يدنس لأنه محض طهر
وسقاه أبوه أرياً مصفى:: من خصال الأباء في خير أطر
ولقد عاش في مجالس ظمت:: كل فضل وكل مجد وبرِّ
أمّها سادة هداة كرامٌ:: وأساطين لم يشابوا بكدر
ركبوا الصعب والخطوب فجازوا:: وتفانوا لنيل رحمى وأجر
وبنو للعلا بناءاً مشيداً:: يخسئ الطرف لا يطال بعصرِ
هكذا هكذا وإلا فلا لا:: شرف باذخ ونفعة قدرِ
فإذا بالوريث يحمل ما قد:: ورثته الأباء في عصر غدر
ومضى صامداً يحقق حلماً:: طالما راود الهداة بقطر
ولقد أدرك السعادة حتى:: أصبح المستشار في كل أمر
مرجع يفزع الجميع إليه:: طمعاً حالتي رخاء وعسر
وأب للبلاد ضم اليتامى:: بجناحيه في حنو وبشرِ
والوكيل الذي يفوض في ما:: قد عنى الناس دونما أي شجر
والزعيم الذي إليه تناهى:: شرف المجد من أجاويد غرِّ
لهف نفسي عليه كيف يوارى:: في تراب وكيف يمضي لقبر
كيف ضمّ العلوم والحكم لحدٌ:: ضيق في فلاة جدب وقفر
كيف خنذيذها تولى ولما:: يترك القائم الوريث لسرّ
كيف والمذهب الإباضي أمسى:: كيتيم موله الصدر يذري
يضرب النحر في بكاء مرير:: ونشيج يحير عقلي وفكري
كمكان تركته اليوم خلواً:: نشب الجهل في مداه بظفر
كنت فيه وكان للعلم روض:: نقطته الأخلاق منك بزهر
ضمخته عرائس من أياديك:: بند ومصطكي وعطر
وجرت فيه أنهر من عطايا:: مخرتها سفائن السعد تفري
دفعتها نسائم الخير رفقاً:: ورعتها عناية وهي تجري
وهدتها إلى المقاصد شمس:: نشرت نورها بسهل ووعر
هكذا حقبة إلى أن تلاشى:: كل شيء كأنه فضّ عطر
وزمان الأحرار ولى بكسر:: فالأناسي في بوارٍ وخسرِ
والثكالى وما نحيب الثكالى:: كبكاء عليه سري وجهري
واليتامى وما أنين اليتامى:: كاشتدادي عليك يا بعد عمري
غير أني أنا يتيمك في العلم:: وحالي لمّا ترحلت مزري
أسأل النجم يا نجوم الليالي:: أين خرّيتها إبن سبع وعشر
أين من بات سدفة الليل طاو:: ساهر الطرف في إبتهال وذكر
أين من غالب الرقاد يصلي:: يطلب العفو والمدامع تجري
أين من بالنهار علمٌ وحلمٌ:: ووقار وعفةٌ دون قدر
وجلالٌ وفطنة وكمالٌ:: وجمالٌ يزينه طول عمرِ
وهو الذكر عمر من مات يبقى:: بعده خالداً يضوء كدر
يبعث الخلق بعثه ويروي:: أنفساً كادها الزمان بعسر
ويعيد النصاب من بعد حيد:: ويقيم الأمور ردحاً لأمر
ويزيد القلوب من ضرم الشوق:: ويحيي الموات في كل طور
فليشيط العزوم إن خابت الوقدة:: طاو سداف ظلم وغدر
فإذا كان ذكر سالم هذا:: فهو ذكر يا سامعّي أي ذكر
خالدٌ لا يموت في قلب حرٍ:: مؤمن صادق أمين بسرّ
ومحب قد هده الخطب هداً:: كان يأوي إليك في كل أمر
وعزيز خلفته وهو باكٍ:: يندب الحظ عاثراً دون أزر
وأنا واحدٌ الثلاثة فألطف:: بالمحبين من فراق وهجر
وأرحم السائرين في نهجك الحق:: فأنت المأمول يا خير برّ
وسلام عليك في كل حين:: يا وريث النبي طه بفكرِ
إنني عاجز ولكن سأبقى:: حافظ العهد لا أخون بعمري
وسأبكيك ما حييت بشعر:: يجعل العالمين غرقى ببحر
وسأشجي الزمان فيك طويلا:: وسأبقى على وفاء وبرِّ
وسأمضي كما أردت مشيحاً:: شامخ الرأس مطلق الوجه أطري
رحمة الله تصطفيك عشياً:: بفيوض تفيض نعمى بقبر
وسلام مؤبد سرمديٌ:: لك يا روح في حواصل خضرِ
وخلود بجنة لك فيها:: ما تمنيت من ثواب وأجرِ
وشرابٌ من الحبيب عليه:: صلوات الإله تعداد ذرِّ
ما أسالت دموع تجري لنحري:: فاض شِعري وشاب للهول شَعري