لامية أحمد بن النَّظر
الجزء ١ · صفحة ٥هاكُم يا أحِبَّائي لاميَّةَ الشَّيخ الشَّهيد أحمد بن النَّظر ـ رحمه الله ورضي عنه ـ في الولايةِ والبراءةِ وأُحِبُّ لكم أن تقرأوهَا من أولِها إلى آخرها لروعتها وحُسنهِا نقلتُها من مخطوطٍ قديم إبتغاء وجهِ الله ء وقد حذَفتُ منها بعْضَ الأبياتِ لأمرٍ يعلَمهُ اللهُ.
آمنتُ بالله الوهوب المفضل *** الواحد الفرد القديم الأول
والآخر الباقي الذي لم يزل *** ومنشئ الأشياء لا بالحِيَلِ
و لا مثال سابق ممثل *** ولا شريك عنده في العملِ
إلا بكُنْ قول مليك فيصل *** مهيمن عن خلقهِ لم يغفلِ
ولم يؤُدْهُ سأم فيذهلِ *** عنهم ولا عن حبة من خردل
جَلَّ عن التحديد والتأمل *** وعن دِرَاكِ الوهم والتقَوُّل
ولم تحط به صفات الرذل *** سبحانه من مُفْضِل ومجزلِ
آمنت بالله مع التوكل *** مني عليه وجميع الرسل
وبالنبي الهاشمي المرسل *** وبالكتاب الناطق المنَزَّل
من مشكل الآي وغير المشكل *** ملة إبراهيم خير الملل
والكعبة القبلة بعد المنزل *** ثم أبو بكر إمام وولي
أفضل حاف كان أو منتعل *** بعد النبي الأبطحي العبدلِ
صلى عليهِ اللهُ من مزمل *** وبعده الفاروق ليث الجحفل
مضى على المنهاجِ لم يبدل *** على سبيل صاحبيهِ الأول
ثم قال ـ رحمه الله ورضي عنه ـ يصف أهلَ النهروان وأئمة الأباضية ـ رحمهم الله ورضي عنهم ـ:
بالنهروان وقعة لم تجهل *** فكم هناك من فتى مُجَندل
مُعَفَّر في دمه مزمل *** أشعث في أثوابه لم يغسل
قد كان غيثا للعُفاة النُّزَّل *** ولليتامى والضعيف الْمُرمل
يبيتُ في محرابه المستقبل *** محكم لربه مهلل
ينحب إشفاقا بدمع مسبل *** لقلبه في صدره كالأفكَلِ
مبتهل يدعو بقلب وجل *** َجرَّان في ليل التمام الأليل
منتصب لربه مبتهل *** يسأله جائزة التقبل
في جزع منه وفي تنصُّل *** لا يطعم الغَمْضَ مع التململ
بات على القرآن في تبتل *** هُذَّةٌ بصوته المرتل
مثل الأساطين بصدر المجدل *** من الأباضيين أهل الوجل
والخوف لله وصدق العمل *** رهط ابن وهب وابن حصن الأفضل
ومنهم حرقوص وابن نوفل *** وهل كعمار ليوم فشل
ذاك خدين المصطفى المنتحل *** وهل كمثل جابر من رجل
وهل له من خطل أو زلل *** أو في أصيل رأيه من خلل
وهل كمرداس ليوم معضل *** أو كقريب عند هول مهول
والثالث الزحاف يوم المحفل *** ووقعة النخلة ذات الثكل
ويوم طواف الشهيد البطل *** ذاك امرء شار زكي العمل
وهل كأصحاب الجدار النبل *** من مشبه تحت عجاج القسطل
أو كالجلنداء بن مسعود الولي *** ووارث ذاك الذي لم يجهل
ذاك الذي أيامه لم تخمل *** بل هل كغسان فحسبي يجلي
وابن حميد ذي الأناة الجدل *** المحسن البر الكريم المجمل
أو كالمهنا عند يوم مهول *** يفتر عن ناب زبون أعصل
والصلت باب فتنة لم تقفل *** دَبُّوا إليه في لهام جحفل
وفي لفيف من رعاع رُذَّل *** ليسوا أولي دين ولا تعقل
بلا احتجاج لا ولا تأول *** فأجمع الصلت على التحول
وهو إمام لهم لم يعزل *** لم يقترف كفرا ولم يبدل
أتاه ما ليس له من معدل *** من قدر الله ولا من مرحل
وهل كمحبوب ليوم معضل *** ليوم عوصاء ويوم النضل
وابنيه ما إن لهما من مثل *** واذكر ربيعا وضماما وارحل
إلى الإمام الحضرمي العبهل *** وأين في الناس كموسى بن علي
وابن أبي جابر ذي الرأي الجلي *** وهاشم في السهل أو في الجبل
أو كالمنير في الليالي الطفل *** وابك على أبرهة والمفضل
وطالب الحق بن يحيى المسبل *** إمام صدق ليس بالسبهلل
ولا بدهدن ولا بفهلل *** يهتز للعرف اهتزاز المنصل
قائده المختار ذو التبدل *** ذاك أبو حمزة ذو التخيل
في الحرب والساحب عقد الأذيل *** يوم قديد أي يوم محفل
ومبهج للمسلمين مجذل *** حين تولوا كالجهام المجفل
أو كالحبارى نفرت عن أجدل *** صكهم الشاري بكل هيكل
وكل وشواش الذراع عيطل *** فلم يزل مجتهدا لا يأتلِ
حتى مضى على السبيل الأفضل *** أم به الرحمن خير السبل
أولاك أنواء السماك الأعزل *** وهم سحاب في الجناب الممحلِ
أقمارُ دُجُنٍّ نورها لم يأفلِ *** أحبار ليل كالحنِيِّ الذُّبَّل
أنضاء صوم كالشنانِ النُّحَّل *** بيض الوجوه كالنجوم النُّصَّل
شم الأنوف كالسيوف القُصَّل *** ذوو ابتسام وذوو تهلل
مثل ابتسام العارض المستقبل *** هم المنار في المنار الأطول
والأفضلون في الخيار الأفضل *** فاسأل فما العالم من لم يسأل
أنَّا على قصد الصراط الأعدل *** لسنا كمن إن سِيْمَ خسفا يذلل
في دينه أو إن يُكَاْثَر يقلل *** نأخذ عن أصل قديم عُدْمُل
ليس بمعيوب ولا مستدخل *** بابن أم عبد وحذيف نعتلي
وبابن صوحان رؤوس القلل *** وابني بديل فهما عنٌّ عَلِ
نحن الأباضيون أُسْدُ الغيطل *** أسد عرين زأرت لأشبل
تنازل الأبطال تحت الأسل *** وتحت قسطال الخميس الفيصل
أبناء كل قاتل مُقَتَّل *** أجداثهم أضحت بكل منزلِ
حواصل الطير وبطن الفرعل *** لا يفزعون من دنو الأجلِ
الموت أحلى عندهم من عسل *** شيب لعطشان بماء سلسل
بيض مخابيت قصار الأمل *** رضوا من الدنيا بقوت الأكل
وفارقوا الغِيْدَ ذوات الكلل *** لم تختلبهم بالعيون النُّجَّل
ولا بفضفاض نعيم دعقل *** ولا سماع من غناء زجل
صُمٌّ عن اللهو وقول الهزل *** قد ألِفُوا كل علندي أفتل
عالي التليل أرجبي عنسلِ *** يغشونه كل نجاد جرولِ
وكل مطموس الصُّوَى من الفلِ *** في طلبِ الفضلِ وفي التفضلِ
وعز دينِ الله بالترحل *** إلى أولي البسطةِ والتطولِ
بكل شحشاح خميص الأيطل *** يجيش نار الحرب جيش المرجل
ما هو بالنكس ولا بالهوجل *** ولا بنأنأء ولا بزمل
ولا ابن ثاداء ولا ابن ثهلل *** ولا بنقاف هبيد الحنظل
إلا امرء شار زكي العمل *** لم يثنه في الله عذل العذل
ولا يدع الحجة للتعجل *** عند انتهاز فرصة المستعجل
يسعر نار الحرب حتى تنجلي *** شاكي السلاح غير جيش أعزل
ولا يرى قتل كبير نهثل *** ولا اتباع مدبر مستوهل
ولا استباء مرضع ومطفل *** ولا اغتنام سيد مؤثل
ولا اعتراض الناس بالتعلل *** إن كانَ من بعضِ صنوفِ الملل
فذَاك جرمٌ غير ما محلَّل *** ندين لله ببغض الحمقل
رهط الطريفي ورهط نجدل *** ونيهش وعجرد وزومل
أهل الضلال والعمى والزلل *** ومن أولي الشك وأهل الخطل
والعن بني مروان طرا واركل *** غير الذي هم ولما يفعل
ذاك أبو حفص كسيف مقصل *** ذاك الربيع في الزمانِ الممحل
وابنه عبد المليكِ المقصلِ *** وعن بني العباس طرا فاعدل
فليس فيهم لأخي الحق ولي *** إلا الذي حاز العلى من معزل
ذاك عبد اللهِ خير موئل *** مصباح دجن في الظلام الأليل
ثم قال - رحمه الله ورضي عنه - يصف هذا الناس وهذه الدنيا:
ما الناس إلا كالدواب الْهُمَّل *** همهمُ في الأكل والترفل
قد حاولوا الدنيا بكل الحيل *** بالشح والكدح وبالتختل
والجد والجهد وبالتغول *** والعسف للبيد ونص الإبل
والخوض في البحر وبالتغلغل *** على المداسير ذوات الكوثل
تلفها ريح الصبا والشمأل *** حتى إذا استوسق للمؤمل
من رام من تحصيلها المحصل *** عامت به في قعر بحر أسفل
وعاجلته بالحمام الأعجل *** وعافصته بالمنايا القتل
فصار منبوذا بشر منزل *** في القبر جارا للثرى والجندل
أنيسه صوت صدى وثرملِ *** خلف من أثل من تأثل
لغافل لم يرجه مغفل *** فعاث في جمع الشقي المعجل
رقصا ورفسا بجميع الأرجل *** ليس الشجي الصب من هم خلي
من يحترث حرث المنايا يهزل *** ومن يكن جار الذليل يؤكل
ومن يصن أديمه لم ينغل *** لا كأخيه السافر المستعجل
مر بها من العزيب المرجل *** لم يلتفت فيها إلى تمول
ولا إلى خفض ولا تمهل *** إلا إلى زاد وشد أرحل
لم يبكِ في رسم ولا في طلل *** مهذب الأصل شديد المفصل
ليس بذي كبر ولا تخيل *** ولا بقتات ولا مستوغل
ولا بخذال ولا بمخذل *** حتى إذا وافاه وقت الأجل
قال - رحمه الله ورضي عنه - يصف الجنة وما فيها من النعيم:
خوله ذو الجود والتخول *** بالخفراتِ العطرات الخدل
يرفلن في الحلي معا والحلل *** في لحف من سندس وقرقل
بين رياض المسكِ والقرنفل *** وجدول يجري أمام جدول
من لبن وقرقف وعسل *** مثل الغصون في الكثيب الأهيل
وخادم مسور مخلخل *** مقرطف مقرط مكلل
أغيد وشواش مشل شلشل *** أكحل أحوى كالغزال الأكحل
يكاد يدمنه لحاظ المقلص *** صهباء فيها مثل طعم القلقل
يحكي نسيم المسك والقرنفل *** يرفل في أتب له ومجول
يسعى عليه بسلاف سلسل *** ولحم طير غير ما مخردل
ولا مصل لا ولا متفل *** والطلح والسدر الخضيد المخضل
يسحب في الخلد ذيول الحلل *** معانقا للحور فوق الكللِ
تحت جنا ثمارها المهذل *** وطلحها المنضد المعلل
من بين تفاح ومن سفرجل *** يرتع فيما يشتهي من قبل
ومن قدير وشوى مرعبل *** ضجيع حوراء قطوف عيطل
ثم قال - رحمه الله ورضي عنه - يصف الحور الحسان اللواتي لم يطمثهن إنس ولا جان وقد أبدع وأجاد:
برَّاقةُ اللباتِ والْمُقبَّل *** رقراقة غرَّاء كالسجنجل
تبسم عن شنب عذوب رتل *** ذي أشبر غير أفَلٍّ أثعل
كسلى ولم تعرف بداء الكسل *** فاترة الألحاظ لا من ثمل
إلا فتور الغنج والتدلل *** تكاد من فرط الحيا والخجل
تنسل من شوذرها المهلهل *** ذات وشاح بالمهي مفصل
كأنها دمية قس هيكل *** لمثل هذا يا أُخَيَّ فاعمل
واجعله من أشغل كل الشغل *** وحاذر الأخذ على التغفل
في غرة منك بطول الأمل *** كم بين هذا وشقي مثقل
ثم قال - رحمه الله ورضي عنه - يصف الجحيم وما فيها من العذاب الأليم - والعياذ بالله -:
مُرتَهَن بذنبه مغلل *** مصفَّد في غله مكبل
قد قُرِنَت هامته بالأرجل *** مسلسل في كبل مشكل
يسحب في حر الجحيم المشعل *** قرين شيطان به موكل
ينحط في أدراكها ويعتلي *** كبا على خيشومه والكلكل
مستقبل النار بوجه مقبل *** وصورة شَوْهَا وثغر أثعل
ليس له في قعرها من مأكل *** ولا له عن حرها من محول
إلا إلى أكل الضريع المرسل *** في جوف جب من لظاها مقفل
وبين أطباق السعير مدجل *** هامته تغلي كغلي المرجل
يُرْجَم في أدراكها بالجندل *** بين أفاعيها الضواري النهل
ينهَشْنَه بكل ناب أعصل *** نهش الطلا غرثاء أم جبيل
فهو طوال الدهر في تململ *** وفي بكا عال وفي تولول
ثم قال - رحمه الله ورضي عنه - في الخاتمة:
فاللهَ فاعبده وإياه سَل *** إن تك عنها ناجيا في معزل
وارغب إليه وبه توكَّل *** فإنه بكل ما يدعى ملي
تمت بحمد اللهِ مع حذْفِ بعضِ الأبيَاتِ وهيَ قصِيْدةٌ رائِعَةٌ بِحَق وقَدْ قامَ بشَرْحِهَا غَيْرُ واحِدٍ من العُلَماءِ مِنهُم القطب رَحِمَهُ الله في أربَعةِ مُجلَّدَات والشَّيْخ الرقيْشِي رحمه الله هَذا وَنسألُ اللهَ الإخلاصَ في القوْلِ والعملِ واللهُ المستَعَاْن أخوكُم: البُرهَان