مجموع قصائد مجهول

سعيد بن خلفان الخليلي - المعراج لسالك المنهاج

الجزء ١ · صفحة ٣٥

* قصيدة (المعراج لسالك المنهاج) للشيخ العالم الشهيد الحبر البحر المحقق الكبير والقطب الشهير سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي رحمه الله ورضي عنه:

سلوك طريق العابدين بعرفان:: يلذُ لأرواح غذين بإيمان

يطيب لها فيه عناها فلم تزل:: مسافرةً لا تستقر بأوطان

من العلم أعلام لها ودلائلٌ:: ومن همة شماء والعزم ظهران

وزاد من التقوى لتقوى بنهجها:: ومن فقرها أوفى رفيقٍ ومعوان

ومن ورع درع وسيف من الحجى:: وحصن من التفويض في كل حدثان

فقامت على حكم التوكل ترتجي:: بلوغ المُنى ما بين خوف وأحزان

كليلة إعياء لقد شفها الوجى:: خميصة بطن في تعطش ظمآن

كليلة أحشاء أضرَّ بها الجوى:: قريحةُ أعيان سهيرةُ أجفان

يسوقها من لاعج الشوق مزعجٌ:: ويزعجها إبراق وجد وأشجان

وواقد تخويف من العين صاهرٌ:: بأودية الخدين وادق هتان

تهيمُ بتذكار الحبيب ولا ترى:: إلى راحة رجعى ومال وأخدان

لها مطلبٌ سامٍ على العرش باذخٌ:: شريف منيف شامخ ليس بالداني

هنيئاً لمن في حبه باع نفسه:: بجنة خلد بين أنفس غران

أخي قم وشمر في الطريق مصمماً:: لطي الفيافي في بكور وأصلان

فمن نفس منه مضى عن سلوكها:: جنيبا فما أولى بغبن وخسران

وخلّي الهوينى عنك فهي بعيدةٌ:: كثيرةُ أخطار قليلةُ أعوان

وخفف من الأحمال إن عقابها:: صعابٌ كعابٌ تنصب السالك الواني

طريقٌ لها مستوعر دارس به:: كمين الأعادي من رجالٍ وفرسان

ترى زمر السفار فيه قوافلاً:: حيارى حسارى من مشاة وركبان

فمنهم سليبُ المال بين رفاقه:: ومنهم نهيبُ الروح في يد شجعان

ومنهم عليل واهن الطبع عاجز:: ومنهم كليلٌ ذو ملالة كسلان

تنوع أجناس المنوع بكثرة الـ:: ـقطوع فما فيها الأمانُ لإنسان

لذلك كان السالكون أقلةً:: ويكثرُ فيها الهالكون بفتّان

ولا يهولنك الأمر فهو ميسرٌ:: لمن مخلصٌ لله من كل أوثان

تمسك بمولاك القدير فإنه:: لكل ضعيفٍ عاجز واهن واني

ووجه له وجهاً وقلباً وقالباً:: توجه مطواع لما شاء مذعان

واعطي له منك القياد لكل ما:: أراد وقل يا هادياً كل حيران

دعوتك إذ ضاقت عليّ مذاهبي:: وقل إحتيالي يا إلهي ورحماني

وهاك أخي نعت الطريق إذا به:: أردت سلوكاً كي تفوز بإحسان

بيان المقامات الثلاث التي لها:: حديثُ رسول الله جاء بتبيان

أتاك بحمد الله تكشفُ سترها:: لكي تنظر الكنز الخفي من الشان

سلام على الهادي المبين سبيلها:: عليه صلاةُ الله في كل أزمان

أتيت به في صورةٍ معنويةٍ:: تموه بي في السالكين بإمعان

وما أنا لي من ذاك إلا بيانهُ:: لفهمي له لا عن وصول ووجدان

ولكنني أتلوا فأجلوا إشارةً:: تفتح بالتوقيظ أجفان وسنان

وتهدي إلى الكنز المعمى من الهدى:: وما بيدي هديُ السبيل لعميان

فأول إيماني لإسلام ظاهري:: بظاهر أحكام الشرائع ناداني

فأقررت بالتوحيد لله مثبت الـ:: ــرسالة تصديقاً بجمٍلة قرآن

وقمت أصلي للزكاة مؤدياً:: وصمتُ ولي في الحجّ أشرفُ قربان

لذلك في الإسلام قال نبينا:: وما دون هذا غير شرك وكفران

ولكن وراء هذا المقام ترافعاً:: والإيمان والإحسان أيضا مقامانِ

تفاوت فيهن الرجال مراتبا:: بأعدادها تربو على رمل كثبان

فأمنت في الإيمان بالله خالقي:: وبالرسل والأملاك أشرف أعيان

وبالكتب واليوم الأخير وما جرى:: به قدرٌ في الخير والشر سيان

ولكن في هذا المقام عجائباً:: لأغوار أسرار غرائب أفنان

تخالف ما أداه ظاهر فهمها:: وعندي من صدق الحقيقة فهمان

فلو قلت بالتأويل فيها بظاهرٍ:: لعدت إلى الإسلام من بعد إيماني

فما مسلمٌ لله والرسل منكرٌ:: ومن شكّ في القرآن شيكَ بكفران

وقد كنت بالأملاك والقدر كلهُ:: أصدق والإسلام أشرف أوطان

وقد كنت في الإسلام واسمي مؤمنٌ:: ومن بعد ذا كان إيماني الثاني

فإيماني الثاني لإسلام باطني:: وما بين هذين المقامين شتان

نظرت إلى تحقيق قول نبينا:: بتعريفه الإيمان نظرة إمعان

فقال هو النورُ الذي بدخوله:: الصدورُ إنفساح وإنشراح بإيقان

وقال لمن رام العلامة إنها:: المجافاة عن دار الغرور بسلوان

منيباً إلى دار الخلود تأهباً:: ليوم نزول الموتِ أهبة لهفان

فهذا هو الإيمانُ من لم يكن له:: نصيب من الإيمان مات بخسران

ولكن له عندي شروحٌ عجيبةٌ:: بواهرُ أنوار زواهرُ أكنان

تطابق ما بين الحديثين سابقاً:: وفاقاً لفهم من دلائل فرقان

فبالله إيماني يقينٌ يقيمني:: ويقعدني لله في كل أحيان

ويلهمني سر القيام بخدمتي:: لطاعة مولاي الذي هو سواني

فبين الرجا والخوف منه أقامني:: ذنوب أخافت أو رجاء لغفران

وبالقدر الإيمان مني كمالهُ:: فمن خيرهُ والشر عندي خيران

ففيه جميع الأمر كنت مفوضاً:: لمالكه تدبيرهُ منه لي أرضاني

فأشهد من تصريفه كل حالةٍ:: هي الخير فيما اختاره لي هو أجراني

وصححت فيه بالتوكل نيتي:: فعن طلب المضمون لي هو أغناني

فلي في معاني شكره كل صورة:: لها روح معنى باهر الحسن فتان

فأخلص في نعماه شكري وطاعتي:: برؤيتها من عنده صح شكراني

فما طاعة في طاقتي لإستطاعتي:: ولكنها منه مواهب منّانِ

وإن كنت في العصيان أشهدني الرضا:: بجري القضا لم أرض عنّي بعصيان

ولكنني أسعى فأرعى لأوجب:: الشريعة من توبٍ وأوبٍ لغفران

وصبري لا تبليه كفُ بلية:: وشكري في صبري إذا هو أبلاني

وأمنت باليوم الأخير مبادراً:: لتقديم زادٍ قبل فرقة أعطان

تخوفني النيران في كل ساعةٍ:: وأصبوا إلى الجنات ما بين خلاّني

وأرنوا إلى الدنيا بعين تفكر:: فلم أرني أرنوا إلى غير هجران

ولم أرها إلا غروراً وزخرفاً:: تشوشُ لي ديني فكنت لها شاني

وبالرسل والأملاك أمنت أقتدي:: بهم في شؤوني كلها كل أحياني

فهم في طريقي قدوتي وأئمتي:: لدى كل أعمالي مدى كل أزماني

فمن شرعة الأملاك عندي نسخةٌ:: أطالع من ديوانها رسم عنواني

فأذكارهم كانت شريف عبادتي:: وذكري بتهليلٍ وحمدٍ وسبحانِ

وهم علموني دعوة أرتجي بها:: لنفسي ومن في الأرض رحمةَ غفران

وهم علموني موضعاً لبراءةٍ:: وموضع رشدٍ بالولاية لبّاني

ومن كل فرد منهم كان مشهدي:: لمكتوم سرّ فهمه العلم أتاني

فمن قسم ميكائيل بذلي تصدقاً:: ومن حُكم جبرائيل ترتيل قرآنِ

ومجموعنا يحكي صفوفهم إذا:: صففّن بأحيان الصلاة بإذعان

وفي الأرض سياحون منهم كمثلنا:: رواتع سماعون نشدان رهبان

فنحن لهم فيها نكون أئمةً:: فيَشَدون إذ نشدوا بإنشاد نشدان

ولم يقتدوا إلا لتحقيق نسبةٍ:: إليهم فهم لي في التناسب إخوان

ولي من جميع المرسلين خلائقٌ:: فمن عند إبراهيم حلمي وإيقاني

ومن أدم توب من الحوب بعده:: إنابة داؤودٍ وأوب سليمان

وفي صبر أيوبٍ على الضر أجتلي:: شكية يعقوب لزائد أحزاني

ومن خوف يحيى نلت زهد إبن مريمٍ:: ويونس إقراري بظلمي نجاني

ومن زكريا رغبتي حين رهبتي:: وإن أتوكل كنت والد قحطان

وبي غم يعقوب الوعود تشوقاً:: ليوسف تقوى حافظٍ غير خوان

وكنت شُعيبيَّ النصائح تابعاً:: لدى غضبي في الله موسى بن عمران

ومن جملة الأسرارِ هذا نموذج:: وتفصيله يربو على رمل كثبان

فمن جملة الأملاك والرسل:: لطائف لم تودع صحائف رهبان

وعندي أسرارٌ لهم عن شروحها:: يضيق فضاء علمي وفهمي وإمكاني

فكل عليمٍ من حكيمٍ وعارفٍ:: يعرّفني مُنهنّ حكمة لقمان

وكل وصيّ أو وليّ مكاشف:: جلى سرهُ عندي ولم ير كتماني

فأبصرت من أسرارهم لغرائبٍ:: عن النطق صانوها وبي كتم صوان

ومالي لا أحوي الجميع وإنني:: تلوت شروح الكتبِ من متن قرآن

وأمري حميد بإتباعي لأحمد:: فمن نوره علمي وحكمي وبرهاني

فلي أسوةٌ فيه وفيها نهايتي:: إليها بها عن غيرها هيَّ تنهاني

هو الفلك الحاوي المنيرُ جميعها:: على قطبِ الأسرار من نوره الداني

فمعقده أوج الجميع وأوجها:: لها المركز الحاوي صنائع إتقان

فلا تعجبوا أن كان ذلك أطلساً:: وهذا بني الأعلام أوضحُ بنيان

فإن له الأسرار من كل أطلسٍ:: يصان عن الأملاك والرسل والجان

فمالي وللأملاك والرسل بعدهُ:: فعن جُلّهم بل كُلّهم هو أغناني

ولا تنكروا ذكري لدى تبعيتي:: لهم فلهُ نور الحقيقة أعطاني

تجلّى عليهم نوره فتعددوا:: وأصبح فردَ الحُسن ليس له ثاني

لتصحيح إيماني بكل جموعها:: أخذت لها مني وثائق إيمان

وإني في توحيده لوحيدهُ:: بذكري ولو سميت أشرف ذكران

وبالكتب إيماني كذلك حُكمهُ:: فذلك والإيمان بالرسل سيّانِ

تحقق تصديق لكل ونصرةٌ:: لكل وإتباعٌ لكل بإذعان

ولي من جميع الكتب شرعة صادقٍ:: أقوم بها في التابعين بإحسان

فأصبحت ربّاني كل شريعةٍ:: وإني بلا والذكر بالفيض ربّاني

أتى الآن لي رجعاي عن كل غيره:: إليه وأما عنه تلك فلم تأني

فمني له الإجلالُ في كل خلوة:: بنشوة جذلان وأنة مرنان

ومني له الإتحافُ في كل جلوة:: صحائف أسرارٍ لطائف سلوان

مواهب ضاق الكون عن وهب بثها:: لمن لا تناسى الكون أحفظ نسيانٍ

إلى مثلها يرنو الحليمُ وينثني:: الكريمُ إليهم واللئيمُ لها شاني

فحيا عليها قد أهبت ببابها:: إليها ألا يا مثلها فلتكن راني

أتاك بإجمال جميل مقالتي:: ومالي حورٌ بعد ذلك لحيراني

بلى سأذيع السر أحبار صفوتي:: فأهدي لهم فرقان أخبار فرقان

غدوت مُعاذيّ الحقائق فأجتلى:: طرائق ما فوق الطرائقِ إيماني

وأشهدني نوعاً من الكشف واضحاً:: يقينٌ إلى الكرسيّ والعرش أدّاني

وأيّ مقام لا أروم أنتهائه:: وفي مبدأي نور المصاحف غشّاني

فصححّ إيماني بكل حقيقةٍ:: بسرّ إلى أوجِ النهاية أنهاني

ومازج بالإيمان روحي فأغتدى:: مسوطاً بجسمي في دماني ولحماني

أعيانُ من حجب الغيوم عجائباً:: تراءت لعيني من خزائن أذهاني

فمالي لا أضنى وأفنى ومشهدي:: ثنائي عندي في ثنائي أضناني

ومالي لا أبكي لذكر شمائلي:: وشاملُ كتبي بالشمائل تلقاني

وفي كل يوم في كتابي أجتلي:: حسابي والأشهادُ حولي صفان

وأعظم ما منه بليت بليتي:: بخفةِ أعمالي بكفة ميزان

فثابتُ عقلي منك لي أحسن العزا:: وطائشُ لبي يعش بدهشة سكران

فها هي من نحو الشمال جهنمٌ:: وها جنةُ الفردوس من نحو أيماني

فمن تلك همي قد شهدت وغمتي:: وأشهد أفراحي بتلك وسلواني

تراءت لعيني في قصورٍ بهية:: قواصر طرفٍ مثل أطرف مرجانِ

ولم أذكر الدارين إلا نموذجاً:: لتجتلي السرّ العظيم بعرفان

فذا من مبادئ الكشف قال شيوخه:: ويا رُبَّ ما أنهى لكشفهم الثاني

وما بعد هذا من مقام لإيمانٍ:: سوى الباذخ العالي بنسبة إحسان

مقام بتحقيق الشهود مخصصٌ:: لعبد بتول في العبادة ولهان

وعرفه الهادي فقال كأنه:: يراك لمن لا قد رآه بإيقانِ

فهذا من الإيمان عندي ثالثُ:: المقاماتِ إذ قد تم من قبله إثنان

فيا قاصداً فيه سلوكاً له استمع:: مقالي إصغاءً لنطقي وألحاني

دع النفسَ لا تنظر إليها تلفتاً:: وكن خارجاً عنها كنفرة شنأنِ

وقم بِهمُ عنها إليهم ولا تقمْ:: إليهم بها تحظى لديهم بتكلانِ

فمن بهمُ فيهم لهم قامَ موشكاً:: لهم جذبوهُ روم وصل وقربانِ

فيسعى لهم خفا بأنس ولذةٍ:: خلياً من الأوزار في كل ميدان

فيقطع يهماء الفيافي مبكراً:: لطيَّهمُها في كغمضة أجفانِ

ولم يرى فيها من عناء يأوده:: ولم لا وهم فيها له خير أعوان

فجاهد بهم فيها تشاهد بقربهم:: لوامع نور حلّ منك بأوطان

وترتاح منك الروح للوصل واللقا:: لقلب من الوجد المبرّح ملآن

تمكن فيه سالب الحب والهوى:: فأزعجه عن كل إلفٍ وخلان

وأرقاه بالإخلاص روم خلاصه:: بتقديسه من رين رؤية أكوان

فهام بحبٍ عام في بحر ذكره:: ولم يدر وجدان إصطبار وسلوان

فدام به في كل وقتٍ وهيئةٍ:: على صيغ التلوين في كل أحيان

يرى أنُسهُ فيه ألذّ حياته:: وموتته الكبرى علاقيم هجران

ومعراجه الأسمى وجود شهوده:: وإن ينأى يضحى في الحضيضِ هو العاني

فقام بتأديب الملوك ببابه:: يخر ذليلاً في حماهُ لأذقان

وقد غض طرفاً من حياءٍ وهيبة:: بدهشةِ قلبٍ في تزلزل أركان

تكامل منه ذُلهُ وإنكساره:: أمارة تعظيمٍ لبرزة سلطان

فأدمعه تجري بلوعة وجده:: فيالك بحراً سال من حرّ نيران

فيصمته حيناً حياءٌ وهيبةٌ:: وتنطقهُ أخرى إرتياحةُ نشوان

يحنّ إلى ذكر الحبيب وقربه:: حنين الثكالى قد ضنين بأشجان

تبتل بالأذكار عن ذكر نفسه:: فغاب بها عنها وكان بها فاني

ولم يفنى حتى غاب عن ذكر ذكرهِ:: شهوداً لمشهودٍ هناك بلا ثان

ولمّا يُشاهَد إن يُشاهِد شهودُهُ:: إذا لم يغب عنه بمشهوده الداني

فإن غاب في مشهوده عن شهوده:: تدكدك طور العقل منه لإذعان

ولاح تجلي الحق فيه لعينه:: لمرآته كشفاً يراهُ بوجدان

معان تجلت في مغان تجملت:: بها إذ تجلت من سناها بألوان

يحققها بالذوق كشفٌ مصدقٌ:: بعلم يقين جلّ عن جُل برهان

يؤيده سلطانُ عين يقينه:: بحق يقينٍ بالعيان لأعيان

إذا ما محوت الرسم والإسم شاهداً:: بها روح معناها ترى كنز عرفان

ففي مرة للوهم يبدو معيةً لديك:: وأخرى يرفع المع في الحاني

ففي تلك يستجلي ظهرواً بكشفها:: فتضحي بزلفى القرب أسعد جذلان

ليفنيك حتى عن شهودك قربهُ:: فذاتك ذات المحق في المشهد الثاني

ومهما تجلى نوره في صفاته:: فمن حضرات القُدس جاء بعنوان

يُملّك من ألطافه الأنس تارة:: وأخرى إلى قدس الجلالة مدانِ

فتضحي لأقدام لبسط وفرحة:: وتمسي بإحجام لقبضٍ وأحزان

وسائرها يجري إلى ما له اقتضت:: هواتف إلهام من الفتح ربّاني

تغاير في حاني التجلي ضُرُوبها:: على حسب الإستعداد في كل انسان

مقاماتها شتى بحسب تفوات:: القوابل للفيض المقدس للرّاني

فمن كان مجلو المراتِ من الصّدى:: سليماً من داء يخلّ بهُرمان

فمهما يوجهها إلى وجه ربها:: تعد بشعاع يبهر العقل فتان

يريك بها وجه الحبيب جمالها:: به شرفٌ يسمو بأشرف سُكّان

عليها من الأثار تلفى بمظهر:: الأسامي دلالات نُصبن لأعيان

إذا عرجوا فيها لعرش صفاتها:: لمعنى وراء الوصف باء بعرفان

تريك عباراتُ الصفات إشارة:: لها كلّ عن تعبيرها كل سحبان

غدت حيرة الألباب لكن ذهولها:: بها للهدى يهدى به كلُ حيران

ففي عدم الأدراك إدراك عارفٍ:: طوى نشره أعلام فقدٍ ووجدانِ

وبالعكس للمجذوب ترتيبُ كشفها:: وصولاً وردّاً بالتدلي إلى الخانِ

فعرّج بتجريد لتفنيد واحد:: وخلف سوى يخلو فما ثمة إثنان

إذا ما كشفت الستر عن لبس لبسةٍ:: لنفس تصل أعلى مقام لإخوان

وتفنى عن الأكوان في كل حضرة:: صحوت بها في كل غيبة سكران

فقم في فناها بالعبادة فانياً:: لمعنىً به تبقى إذا عُوض الفاني

ترى ذيك من أوصافها في صفاتها:: حلىً وكمالات بدائع أفنان

وتشهد في مرآة كشفك حسنها:: جمالاً لها حصن الكمال به باني

تريك على بعد المسافة من نأى:: قريباً تُجلّيه بهيكلها الداني

وتقرأ منها نسخة الكشف كلها:: عن الخلق بعد الحق آيات فرقان

فتبدي لديك العرش كالفرش والسما:: وأملاكها والطير والأنس والجان

ويحضر أشتات الوجودات فردها:: بجوهرها الكُليّ في سره القاني

ويرقيك منها في مراقي عروجها:: لسرّ ظهور الحق فيها بتبيان

تُعاين منها بالمظاهر ظاهراً:: بواطن نور في جلالة رحمنِ

فمن علمه فيها بحورٌ تدافقت:: بعلم لفيض الفضل من يد منانِو

وبالعكس في بعض الصفات إلتباسها:: تجلّى كَذُلي في معزةِ ديّانِ

وقم وأرقأ وأقرأ من متون سطورها:: عجائب كشفٍ من غرائب ديوان

فأنت فريد الدهر يا قطب عصرها:: لك الدهرُ عبد خاضع خاشع عاني

تملكت منه بإقتدار زمامه:: فته في براياه بعزّ وسلطان

عليه سلام الله فيه تحية:: بنشر الثنا الغالي بسرّ وإعلان

فكل لسان بالثناء لك ناطقٌ:: لحسن مديح في مدائح حسان

فهذا بحمد الله ما قد قَصدتُه:: من القول في هذا المقام العلي الشأن

رقائقُ أسرار دقائقُ حكمة:: حدائقُ أنوار حقائقُ إتقان

تبين عن غور المعاني بمحكم:: المباني وتهدي للطريق بعرفان

تنيل هدايا نورها كل واصلٍ:: كما أنها المعراج للسالك الواني

سموت بها عن نسبتّي لقريضها:: أرقّ نسيبٍ في تغزل غزلان

ومالي فيها قصد مَلكٍ تعرضاً:: لجائزة منه بتبرٍ وعقيان

ولكن إلى مولاي قصداً بعثتها:: على ما بها وهو المليُّ بغفران

عسى نظرةٌ منه إليّ شمولها:: عليّ إبتداءً من عوائدِ إحسان

وأزكى صلاتي دائما وتحيتي:: على الشافعِ الهادي إلى خير أديان

عليه وأهليه جميعاً وصحبهِ:: سلامٌ به طابت خواتيم نشدان

(تمت ولله الحمد والفضل سبحانه لا نحصي له ثناء ولا شكراً)

٣٤ / ٣٦