الاستواء
الجزء ١ · صفحة ٢٧٩أما المنطلق النقلي فعمدتهم فيه ما جاء في الآية المذكورة أعلاه(آل عمران 7) من إشارة تمكن الراسخين في العلم من التأويل مع آية أخرى هي أكثر صراحة في الحث على التأويل وهي قوله تعالى ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (4 النساء 83) وما الاستنباط إلا فهم النص وعدم الاكتفاء بظاهره…
وكذلك يعتمدون في هذا على ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم " ما من كلمة إلا ولها وجهان فاحملوا الكلام على أحسن وجوهه"
وكذلك يعتمدون في موقفهم هذا على مواقف بعض الصحابة مثل ابن عباس من التأويل.
أما المنطلق العقلي فهو يقوم على جانبين:
الجانب الأول لغوي: فعلى المتأول أن يكون ملما بأسرار اللغة العربية وفعلا فقد اجتهدوا اجتهادا كبيرا في استقصاء البحث في القرآن والحديث واللغة لكل كلمة تأولوها وأثبتوا من خلال ذلك أن النص القرآني لو حمل على ظاهره لتناقض في عديد من المواطن.
وفي هذا الباب حذروا من خطرين: أولهما اجتناب تأويل القرآن وفق الهوى عن علم وذلك رغبة في التلبيس على الخصم أو عن جهل فيميل الفهم عن الصواب.
وثانيهما اجتناب التسرع إلى التأويل بظاهر العربية من غير استقصاء المنقول في شأن النص.
أما الجانب الثاني فيتمثل في شعورهم بان معجزة القرآن تتجلى في باب التأويل والاستنباط على أساس الإخلاص لله تعالى وفي هذا فتح لباب الاجتهاد الذي يجعل القرآن الكريم صالحا لكل زمان ومكان.
وإن اتضح المنطلق الدفاعي في النقل والعقل فإن مظهره يتجلى في حرص الإباضية على تأويل جميع النصوص المتشابهة في حق الله تعالى وفق منهج معين يرمي إلى تنزيه الله تعالى عما يوهم التشبيه وظلوا بذلك أوفياء إلى الآية التي جعلوها محور الحديث عن الذات والصفات ( ليس كمثله شيء) .