البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

الرد على شبهة الأَدِلَّة النقلية

الجزء ١ · صفحة ١٠٢

ثالثاً: قَوله تَعَالَى: ?سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى?([10])، والأعلى هنا لا يخفى أن الْمَقصُود به علو الْمَكانة، وذلك مثل قَوله تَعَالَى: حكاية عن فرعون: ?فَقَالَ أَنَا رَبّكم الْأَعْلَى?([11])، فهل يعقل أن يقصد فرعون أنه الأعلى في السماء؟ بينما هو يعيش بينهم على الأَرض؟ ولكن فرعون قصد مستكبراً أَنَّهُ هو الأعظم مكانة والأعلى منزلة، ومثل قَوله تَعَالَى: مُخاطباً موسى u: ?قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى?([12])، ولا يقول عاقل أن موسى u هو الأعلى في السماء!.

رابعاً: قَوله تَعَالَى: ?تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ?([13])، وقَوله تَعَالَى: ?تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ?([14]). حيث يوهم أهل الْحَدِيث أتباعهم أن هذه الآيات تَدُلُّ على أن الله فوق السماء، وإلا لَما وصف إبلاغنا القرآن بأنَّه "تنزيل"!، وتناسى هؤلاء أن وصف إعطاء الْمُسلِمين القرآنَ بـ"التنزيل" يؤكِّد على حقيقتين هامتين: الأولى: عظمة مكانة الْمعطي، ودناءة الْمتناولين أمام جلاله العظيم. الثانية: وصف القرآن بأنه عظيم، فهو آت من عند الله تعالى، وهذا يتجلَّى في نسبة تنزيل القرآن الكريم إلى الله تعالى في قوله: ?مِنَ اللَّهِ?.

والتنزيل يقصد به الإعطاء، ولا يستلزم وجود جهات علوية وسفلية، والدليل على ذلك قَوله تَعَالَى: ?وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ?([15])، إِلاَّ إذا قال أهل الْحَدِيث أن الْحديد ينزل من السماء كما ينزل الْمَطَر!.

١٠٢ / ١٦١