مسألة الاستواء
الجزء ١ · صفحة ١٢١والدَّليل على أنَّ العرش يقصد به الملك هو قَوله تَعَالَى: ?إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ?([18])، والْمَقصُود أنَّ لَها ملك عظيم، وليس سرير عظيم، فعِظَمُ السرير ليس دليلاً على عظم الْملك، فالنَّجَّار الفقير يستطيع أن يصنع لنفسه سريرا هائلا عظيما، ولا يزيد ذلك في جاهه شيئاً. كذلك قَوله تَعَالَى: ?وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء?([19])، وليس الْمَقصُود من الآية أنَّ هناك بُنْياناً عظيماً هو العرش كانت تتلاطم به أمواج الْماء الذي سبق خلق السموات والأَرض، يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: "العرشُ: السرير للملك، والعرِيش: ما يستظِلُّ به، وإن جمع قيل: عُروش في الاضطرار، وعَرْشُ الرَّجل: قوام أمره، وإذا زال عنه ذلك قيل: ثُلَّ عرشُه. قال زهير:
وما يرويه أهل الْحَدِيث لترسيخ مفهوم العرش كبُنْيَانٍ مستقلٍّ، وتصوير الكرسي في قَوله تَعَالَى: ?وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرض?([21])، بأنَّه موضع قدميّ ربّ العالمين([22])!، نابعٌ من عبث هؤلاء بنصوص السُّنَة تعليباً وتأويلاً، وقد أثبت حسن السقاف بطلان روايات العرش التي استدلَّ بِها الذهبي([23])، والتي وضعها أهل الْحَدِيث للانتصار لعقيدتهم الهرمسية.
ومن بين شبه أهل الْحَدِيث لترسيخ معنى الاستواء بالجلوس والاستقرار ما قاله ابن تيمية: "يلزمك أن تقول إنَّ العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بِمستولٍ عليه، وذلك أن الله أخبر أَنَّهُ خلق العرش قبل خلق السماوات والأَرض في ستة أيام ثُمَّ استوى على عرشه بعد خلقه السماوات والأَرض"([24]).