البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مسألة الاستواء

الجزء ١ · صفحة ١٢٢

وكلام ابن تيمية نابع من اعتقاده الْجازم بأنَّ العرش يُقصد به السرير الذي يَجلس عليه الملوك الذين يشاهدهم من حوله، وأنَّ هذا السرير يسبح كجرم في الفضاء فوق السماء السابعة!، ولو أدرك أنَّ العرش كناية عن الملك وقوام الأمر لَما افترض هذا الافتراض.

ولا يخفى على من سبر بِحار اللُّغة فِي أنَّ "ثُمَّ" في الآية الكريمة لا تفيد الاستئناف والترتيب والتتابع الزمني بل تعني العطف، ولذلك شواهد من القرآن، مثل قَوله تَعَالَى: ?ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا?([25])، ولا يقول أهل الْحَدِيث أنَّ الله تعالى لَم يكن يعلم من هو أولى بالنَّار صلياً ثُمَّ علم، وكذلك قَوله تَعَالَى: ?وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى?([26])، والتائب الْمؤمن الذي يعمل الصالحات لا بدَّ أن يكون مهتدياً. إذا فالْمَعنَى الْمَقصُود من (ثُمَّ) في قَوله تَعَالَى: ?ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء?([27]) أَنَّهُ في نفس وقت خلقه للسماوات والأَرض استوى "استولى" على العرش، ولم يرد أن ذلك شَيْء بعد شَيْء.

وحقيقة أنَّ (ثُمَّ) لا تستلزم الترتيب الزمني تردّ على شبهتهم حين قالوا: "إذا كان الاستواء بِمعنى القهر، فَإِنَّهُ يعني أَنَّهُ لَم يكن قاهراً". فمنهجهم يلزمهم القول "أن الله لم يكن قاهراً قبل خلقه للعباد ثُمَّ أصبح قاهراً" فهو يقول: ?وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ?([28]). فحيث لم يكن قد خلق العباد لَم يكن قاهراً!.

١٢٢ / ١٦١