البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مسألة الاستواء

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

وحاول ابن تيمية الردَّ على من قال الاستواء يعني الاستيلاء بقوله: "أَنَّهُ رُوِي عن جَماعة من أهل اللُّغة أنَّهم قالوا: لا يَجُوز استوى بِمعنى استولى إِلاَّ في حقِّ من كان عاجزاً ثُمَ ظهر، والله سبحانه لا يعجزه شيء والعرش لا يغالبه في حال"([29]). وابن تيمية يَختزل القَضيَّة في الْمفردات والمصطلحات، وكأنه بإثباته لبطلان تأويل الاستواء بالاستيلاء سيمنع العقلاء من تَنْزيه الله عن الْمَماسة والجلوس والاستقرار!، ونحن لا يهمُّنا أن يُسمِّي ابن تيمية الاستواء بالاستيلاء أو القهر أو الغلبة أو التصريف والتدبير، لكن ما يهمُّنا هو تنْزيه الله عن مشابَهة الْخلق.

والحقُّ أنَّه لا يلزم على تفسير الاستواء بالاستيلاء والملك أن يكون هناك مُحاولة ومزاولة كما ادَّعى ابن تيمية؛ لأَنَّ الْمحاولة والمزاولة ليست من مدلول اللفظ، وَإِنَّمَا هي من مألوف الوهم، وذلك أن الْحِسَّ شاهد أنَّ استيلاء بعضنا على بعض مقرون بِمحاولة ومزاولة، فقضى وهم ابن تيمية بذلك، وقد تقدَّم أنَّ الله لا يشابه خلقه في ذات ولا صفة ولا فعل([30]).

ومن بين الشُّبَه العجيبة التي أثارها أهل الْحَدِيث هي قولهم أن الشاعر الذي ينسب إليه القول:

هو الأخطل النصراني([31]). وهذا تَجاهل منهم لِحقيقة أنَّ الْمفسرين كانوا ومازالوا يستشهدون بأقوال النابغة الذبياني وامرؤ القيس وعنترة وغيرهم من مشركي الْجاهلية، وهم أكفر من النصارى، وعقلاء الْمُسلِمين حين يستشهدون بكلام العرب إِنَّمَا يستوحون الدلائل اللُّغوية الْمشهورة عند العرب ليفهموا مفردات القرآن وتراكيبه اللغوية، ولا يأخذون منهم عقائدهم كما يفعل أهل الْحَدِيث حين أخذوا عقيدة الْعُلُوّ الهرمسية من عنترة وغيره من عتاة الوثنين!.

١٢٣ / ١٦١