البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مسألة الاستواء

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

وظنَّ أهل الْحَدِيث أنَّ مدار تأويل الاستواء بالقهر والاستيلاء والانفراد بالتصرُّف هو بيت الشعر السابق، فركَّزوا جهودهم لِمحاولة ردِّه والتملُّص من إلزامه، يقول ابن تيمية: "ولم يثبت نقل صحيح أَنَّهُ شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده؟! وقد طعن فيه أئمة اللغة، وذكر عن الْخليل كما ذكره أبو المظفر في كتابه "الإفصاح" قال: سئل الخليل هل وجدت استوى بِمعنى استولى؟ فقال: هذا ما لا تعرفه العرب، ولا هو بِجائز في لغتها"([32]).

وعقلاء الْمُسلِمين لا يستندون في تأويلهم للاستواء بالاستيلاء والقهر والانفراد بالتصرف والتدبير بِهذا البيت كما توهَّم ابن تيمية، بل يستندون على استقراء نصوص الكتاب العزيز، وعرض الْمُتشَابه منها على الْمُحكَم، واستنادهم للبيت السابق إنَّما هو من باب الاستئناس لا غير.

والبَيْت عربيُّ التركيب سهل الألفاظ بليغ الْمَعنَى، دلالته جلية ليس فيها لبس ولا غموض، والدليل على ذلك استدلال فطاحل اللغة به دون أن يتعقبوه بِما تعقبه به ابن تيمية. وكيف ينكره من ادَّعاهم ابن تيمية، وما هي حجتهم؟!.

وادِّعاء ابن تيمية جهله بقائل البيت يثير بعض الاستغراب؛ لأَنَّ تلميذه ابن كثير أقرَّ بنسبة هذ البيت للأخطل([33])، ولا يهمُّنا إن كان الأخطل هو قائل البيت أم غيره، فالشعراء سواء كانوا مسلمين أم غير ذلك فَإنَّهُم غير معصومين من الخطأ والوهم والنسيان، فلا حُجَّة في كلامهم إِلاَّ إن وافق الحقَّ، بَيْد أنَّا نزعم أنَّ هذا البيت صحيح الْمَعنَى، وهذا يغني عن الإسناد، كما أنَّ هناك قاعدة مشهورة عند الْمحدثين وهي أن "الشهرة تغني عن السند"([34])، وقد اشتهر هذا البيت عند الْمُسلِمين.

١٢٤ / ١٦١